فهرس الكتاب
ولا أريد الإستقصاء ولكن في هذه عبرة لمتعبد يتقي ربه ويريد أن يعيد للقرآن الكريم جدته، ويريد للأمة أن تهتدي بهدي القرآن ليحصل لها ما حصل للجيل الصحابي القرآني الأول.
لكن هذه الآية الجليلة التي بين أيدينا قيلت بمناسبة القرح الذي أصاب الصحابة رضي الله عنهم في أحد، فهي موجهة لأصحاب القروح، أم امضوا في جهادكم واصبروا عليه لأن الجنة أمامكم، والساقط عن هذا الطريق بسبب الألم أو القروح هم الظالمون، (( والله لا يحب الظالمين ) )لأنه ببقائكم على هذا الدرب يحصل محق الكافرين في الدنيا والآخرة، ويحصل لكم سبب دخول الجنان.
هذه الآيات التي تقدمت من سورة آل عمران من قوله تعالى (( قد خلت من قبلكم سنن ) )إلى قوله تعالى (( ويعلم الصابرين ) )هي الجرعة الأولى من الشفاء بعد موقعة أحد، جرعة أخذت من التاريخ، ومن عرض حقيقته موقف الكافرين وآلامهم، ورحلت بهم إلى مستقر الراحلين إلى جنان الخلد، وألقت بحكمة الوجود، وعلل الآلام، فأمرت ونهت وعبّأت النفوس وقود عدتها لمواصلة الطريق، فشحذت الهمم كأن ما بهم ليس إلا قضية سننية جارية، وليس أنتم إلا حلقة من حلقاتها، فكانت رحلة عميقة الغور، متشعبة الدلالات، تهدي الفعل بما يحتاجه من موازين، وتشحذ النفوس بما تحتاجها من منشطات، وتنهى العقل والقلب والنفس واللسان من إقتراف التخذيل والوقوف والتباطؤ، فحين يلقي المؤمنون لهذه الرحلة أسماعهم، حينها يحصل الشفاء، وتستقيم النفوس على سوقها بلا ميل ولا جوف ولا ضعف ولا تخاذل، ولذلك لم يكن في هذه الآيات آية تقريع، ولا تنبيه على خطأ، ولا كشف لخلل، بل كانت بسلم جراح، وغذاء روح، حتى إذا تم كل هذا مال القرآن بعدها ليزيل أخطاء النفوس والقلوب، ويشكف مواطن الزلل والخطأ، وذلك لأن القرآن هو كلام الله لجنده، مراده منهم أن يعودوا لنفس الطريق، فإذا وقفوا على جادتها نبههم إلى خطأ وقع سابقًا فلا يقربوه، وأرشدهم إلى زلل إقترفوه فلا يعودوا إليه، هذا هو منهج القرآن لا منهج القاعدين الذين سيأتي خبرهم بعد ذلك من الآيات، ولكن أجد نفسي مستعجلًا بالقول:- ما حال الكثير اليوم من أصحاب الألسنة الطويلة لو وقعت أحد في يومهم؟ كيف سيتكلمون؟ وماذا سيقولون؟ وهل سيكون همهم أن يعيدوا المجاهدين إلى جهادهم؟ أم أن جلّ أمرهم أن يهجر الناس هذا الطريق إلى طريق الدعة والكسل والجبن والخنوع؟. ومع ذلك فالكل يقول:- لا عزة لنا إلا بالعودة إلى الكتاب والسنة.
يا لجمال الشعارات وإغراءات كلماته الرائعة، ولكن يا لغربة القرآن اليوم بين أهله وأتباعه.
{ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون}
إن هذه الآية وما بعدها، وآيات أخرى من القرآن تعالج معضلة الإنسان الكبرى مع مشكلته الأزلية، مع موته.
الموت شكل حيرة إنسانية كبرى، يقف الناس جميعًا أمامه بلا فوارق علمية أو قدرات، يصدمهم حيث لا خطوط ذهنية معه، ولا قياسات سابقة يمكنه أن يهتدي بها الباحث، وفيه مع هذا كله معنى القهر لكل إنجازاتهم التي تعطيهم معنى التفوق أو الغرور، فهو المظهر الثاني بعد الضعف الأول حين الولادة، حيث يكون الضعف مع شيء من الإدراك ولذلك كان التعقل به مؤلمًا.
جاءت النبوة لحل هذه المعضلة، وهي من مشكلات الوجود الكبرى التي لا يمكن أن تحل إلا بخبر غيبي مثل مشكلة القدر والإرادة الإنسانية، وكان الحل ممزوجًا مع حقيقة الإنسان وخضوعه لأمر الله الشرعي، فإحساس