فهرس الكتاب
الجنة التي يريدها المتأخرون، هذا إن كان في قلوبهم ذكرى الدار الآخرة وهم يرسمون المناهج ويبدعون في الفكر والبناء، فإن الأوائل لا يعرف لهم راحة إلا من بعد جهاد، ولتكون هذه الراحة أخرى مع جهاد آخر.
{أم حسبتم} هذا السؤال التعليمي، فيه التقرير لحقيقة، وفي الإستنكار لأي مفهوم ضدها أن أقرب الطرق لجنة الله هي الجهاد والصبر إن وقع بسبب القروح، والمؤمنون لا يفرون من أقدارهم، بل هم يواجهونها لأنها طريقهم إلى الجنة التي يسعون إليها، والذين يستهزؤون من المجاهدين في طلبهم الجنة إنما يستهزؤون بأهم ركن من أركان الشخصية المسلمة بعد ركن العبودية لله تعالى ألا وهو ركن ذكرى الدار الآخرة، فإن هذا الدين ولا طريقته ولا قدره يستقيم مع الشهوات وحب الدنيا، ولا مع الخوف والجبن والبخل، ولا مع الكسل والعجز، ولكن هذا الدين يستقيم أمره مع القوم الذين يحبون الموت كما يحبّ أعداء الله الحياة.
إن الآيات الدالة على هذا المعنى القرآني العظيم كثير، وكلها بلا استثناء كانت في مواطن الجهاد والصبر عليه، فتأمل قوله تعالى:-
- {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} - هذه آية من آل عمران وستأتي وقد قيلت بعد آيات موقعة حمراء الأسد.
- {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله، ألا إن نصر الله قريب} . هي في سورة البقرة، وجعلت مقدمة لآية الإنفاق والتي تليها من قوله تعالى (( كتب الله عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) )وإن وضع آيات الجهاد خلال آيات الحج في سورة البقرة، أو وضع آيات الحج خلال آيات الجهاد ليعلم المسلمين معنى الحياة التي يجب عليهم أن يعيشوها، وإن من قرائن القرآن أن يتفكر الناظر في سورة الحج كيف جعل الله آية الإذن بالجهاد في قوله تعالى (( إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور، أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ) )ثم عقب هذا بالوعد الإلهي بعد الإذن بالقتال وما سبقه بالهجرة بقوله (( الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ) )إذ جعلت هذه الآيات بعد ذكر مناسك الحج صدق ما قلناه من أن حياة الأمة إنما هو الجهاد في سبيل الله، ولا سبيل لأمانهم في الأرض، في عباداتهم ونسكهم إلا بالجهاد في سبيل الله تعالى.
- {أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون} . هذه آية قيلت في سورة التوبة بعد أن أمر الله نبيه والمؤمنين بقطع كل علاقتهم مع محيطهم، ووجوب مجاهدتهم جميعًا حتى يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة.
- {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم} . هذه آية في سورة القتال -محمد- وسورة محمد كل أجوائها وقضاياها تتعلق بالجهاد وحال المؤمنين معه وكذا حال المنافقين.