وحينما اعتمد الأصوليون والنحاة مفهوم (مطلق الجمع) ، ميزوه عن مفهوم (الجمع المطلق) وإن كان يبدو التشابه متوهما بينهما عند انعدام التأمل. فقد ذكر ابن هشام أن إطلاق بعضهم على معنى الواو الجمع المطلق غير سديد وذلك لتقييد الجمع بقيد الإطلاق، وإنما هي للجمع لا يقيد" (14) . وقد التقى المنظور النحوي بالمنظور الأصولي في تدقيق هذا الإطلاق، حيث نقل ابن السبكي في الإبهاج ما ذكره تقي الدين بن دقيق العيد عن بعض الباحثين المتعلقين بعلم العقول أنه فرق بين مطلق الماء، والماء المطلق، بما حاصله: أن الحكم المتعلق بمطلق الماء، يترتب على حصول الحقيقة من غير قيد، والمرتب على الماء المطلق، مرتب على الحقيقة بقيد الإطلاق (15) . كما يضيف ابن السبكي في قوله عن التمييز بين الجمع المطلق، ومطلق الجمع حيث قال: وقد جرى البحث مع والدي رحمه الله في قاعدة مطلق الشيء، والشيء المطلق، ولا شك أنه إذا أخذ المطلق قيدا في الشيء، كان المراد بالأول حقيقة الماهية، وبالثاني هي تقييد الإطلاق، فالأول لا يقيد والثاني يقيد" (16) .
وحينما نتأمل هذه القياسات الاصطلاحية التي أوردها ابن السبكي وكانت مرجعية تمييزية عند الأصوليين في إطلاق (الجمع المطلق) و (مطلق الجمع) نجد أن (مطلق الماء) يختلف عن (الماء المطلق) . فمطلق الماء مقيد بالطاهر والطهور والنجس، وكل من الطاهر والنجس ينقسم بحسب ما يتغير به، ويخرجه ذلك عن أن يطلق عليه اسم الماء. أما (الماء المطلق) فلا ينقسم إلى هذه الأقسام، وإنما يصدق على أحدها، وهو الطهور، وذلك لأنه أخذ فيه قيد الإطلاق، وهو التجرد عن القيود اللازمة التي يمتنع بها لأن يقال له ماء إلا مقيدا كقولنا: ماء متغير بزعفران، أو أشنان أو نحوه، وماء اللحم وماء الباقلاء وما أشبه ذلك (17) .