ثانيًا - أن يكون على سبيل التضرُّع، وهو التذلُّل والخضوع والاعتراف بالتقصير ليتحقق فيه ذِلَّة العبودية، والانكسار لعظمة الرُّبوبيّة.
ثالثًا - أن يكون على وجه الخفية أي الخوف من المؤاخذة على التقصير في العمل، والخشية من الرد، وعدم القبول، قال الله تعالى في صفة المؤمنين المسارعين في الخيرات، السّابقين لأرفع الدّرجات: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61) } . [1]
وقد ثبت في المسند وغيره عن عائشة رضي الله عنها أنها سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن هؤلاء فقالت: يا رسول الله أهو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر ويخاف أن يُعذّب؟ قال:"لا، يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصلّي ويصوم ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه". [2]
رابعًا: أن يكون دون الجهر؛ لأنه أقرب إلى حسنِ التفكُّر، قال ابن كثير رحمه الله:"ولهذا قال: {وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ} وهكذا يُستحبُّ أن يكون الذِّكر، لا يكون نداءً وجهرًا بليغًا" [3] ، وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: رفع النّاس أصواتهم بالدعاء في بعض الأسفار فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم:"يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصمّ ولا غائبًا، إنّ الذي تدعونه سميعٌ قريبٌ أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته". [4]
خامسًا: أن يكون باللسان لا بالقلب وحده، وهو مستفادٌ من قوله تعالى ... {وَدُونَ الْجَهْرِ} لأنّ معناه: ومتكلمًا كلامًا دون الجهر، ويكون المراد بالآية الأمر بالجمع في الذكر بين اللسان والقلب، وقد يقال: هو ذكره في قلبه بلا لسانه بقوله بعد ذلك: {وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ} إلا أنّ الأوّل هو الأصح كما حقّق ذلك شيخُ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره من أهل العلم.
وقد نظر له رحمه الله بقوله - صلى الله عليه وسلم - فيما روى عن ربّه أنه قال:"من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم"، قال: وهذا يدخل فيه ذكره باللسان في نفسه، فإنَّه جعله قسيمَ الذكر في الملأ وهو نظير قوله: {وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْل} ، والدليل على ذلك أنَّه قال: ... {بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ} ، ومعلوم أنَّ ذكر الله المشروعَ بالغدوِّ والآصال في الصلاة وخارج الصلاة هو باللسان مع القلب، مثل صلاتي الفجر والعصر، والذكر المشروع عقب الصلاتين، وما أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلّمه وفعله من الأذكار والأدعية المأثورة من عمل اليوم والليلة المشروعة طرفي النهار بالغدو والآصال. [5]
(1) سورة المؤمنون.
(2) المسند (6/ 159،205) .
(3) تفسير القرآن العظيم (3/ 544) .
(4) صحيح البخاري برقم (4205) ، وصحيح مسلم برقم (2704) .
(5) فتاوى ابن تيمية (15/ 33 - 36) .