ونرى أن حفظهم للمسجد الذي بناه المسلمون في فناء المدينة هو الأثر الأهم والنتيجة الأعظم لهذا الصلح الطيب, فوجود المسجد وعدم التعرض للمسلمين في المدينة يعنى انتشار الإسلام بين الناس, ولأن المسجد في الإسلام مكانته عظيمة وهو منطلق الدعوة ومركزها وكان أول شيء يقوم به المسلمون في أي مكان يخلونه هو بناء المسجد اقتداء بنبيهم صلى الله عليه وسلم الذي بنى مسجدا بالمدينة بمجرد وصوله إليها, ومع اشتراط حفظهم لمن يدخل بلادهم من المسلمين فهذا يعني انتشار الإسلام بسهولة ويسر, حيث أن تجار المسلمين والمسافرين الذي لا يتوقفون عن الحركة على مدار العام سيعملون على دعوة الناس إلى الإسلام, في حين أن هؤلاء الدعاة من التجار وغيرهم يكونون في مأمن طالما كانوا في أرض النوبة فلا يتعرض لهم أحد.
وهنا شبهة يرددها الصليبيون الحاقدون على الإسلام وأهله, يجب أن نفندها ونبين كذبهم وافتراءهم فيها, فهم يدعون أن هذه الاتفاقية كانت تجبر أهل النوبة -وهم نصارى على حد زعمهم- على بيع أولادهم للمسلمين كي يتقوا شرهم, فيحاولون إيهام الناس أن ذلك العدد من الرقيق الذي يجب على النوبيين إرساله للمسلمين سنويا, كانوا أبناء النصارى, وهذا كذب وافتراء فالاتفاقية تنص على تسليم ثلاثمائة وستين رأسا من أوسط رقيقهم, ولا تنص على ثلاثمائة وستين رأسا من أوسط فتيانهم أو شبابهم, والمعنى واضح والفرق شاسع بين اللفظين, فشتان شتان بين الرقيق والفتى أو الشاب.