عشرات الأمكنة الأخرى لم تكن لها هذه الأهلية.. فوق سطح الأرض وتحته؛ مواقع حديثة وقديمة.. برية وبحرية.. مصطنعة وطبيعية.. مأهولة ومقفرة.. لم تكن حمايتها كافية، ولا كتامتها قادرة على تغييبي، كما أتمنى.. حتى تلك التي تكاد منافذها أو تجهيزاتها لا تكفي لأنفاس ضرورية تسمح بالبقاء على الحياة في حدها الأدنى.
كيف تصل إليه أخباري؟! ذلك هو اللغز الذي يعذبني، إضافة إلى العذابات الكثيرة الأخرى التي سببتها مطاردته العنيدة ، وسؤاله اللجوج. حتى أصبحت أشك في أقرب الناس إلي. وأتوجس من أية كائنات أخرى تتواجد في المكان الذي ألتجئ إليه.
واستشرى هذا الشك إلى حد اتهام أنفاسي، فوددت لو أستطيع الدخول في سبات مؤقت أو دائم. ولكني أجهل الطريقة، وأخافها. وحسدت أنواعًا من الأحياء تنعم بهذه الميزة النادرة. وغضبت ممن يدعي أن لنا صفات النوع الأرقى، وأننا مثال الحياة الفضلى. ولكن الشك اندس مرة أخرى ليجعل المسؤول عن هذا اللغز أعضائي بما هي حية، ولا سبيل إلى وقف ما تبثه الخلايا الحية، إلا بحل وحيد ليس الوصول إليه في متناول الإرادة، وإن كان له مكان في ساحة الأماني أحيانًا كثيرة.
يبرز في شتات الحالة التي أعيش، وشريط الأفكار الذي يعبر طوعًا أو كرهًا في لحظاتي المسمومة هذه، أسئلة وتساؤلات وعلامات دهشة واستغراب تكاد تجعل كل ما مضى من عذاب لا معنى له؛ فما الذي يخيفني منه كائنًا من يكون؟! وماذا ارتكبت من جرائم، واقترفت من آثام تجعلني غاية سهلة وصيدًا قريبًا؟! ومن الذي سلطه علي وسلمه المسؤولية عن ذلك؟!
وأعقد العزم على مواجهته، والوقوف في وجهه، وإبراز براءتي وحسن سلوكي وسمعتي..
لكن.. سرعان ما تنفتح أبواب الذاكرة، فيتدفق سيل من الأعمال والأقوال والرغبات تكفي كل منها للإدانة. رغم أن بعضها لا يعرفه سواي-أو هكذا أظن- وأكاد أنكر علاقتي بها. لكن الأدلة لا تلبث أن تسكت أي نزوع للدفاع. وأخجل من نفسي، ومن الآخرين الذين يعرفون، والذين لا يعرفون.
وأعجب كيف استطعت الإفلات من الجزاء الذي أستحق. ويكاد يدفعني الندم وتبكيت الضمير ولوم النفس على الاعتراف الذي لا لبس فيه، وتسليم نفسي له ليفعل ما يشاء.
لكن في غموضه وقلقي ما يثير الخوف من جديد في ما يمكن أن يحصل لي لو صرت قبض يديه، أو رهن إرادته.