فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 33

"كثيرون لم يكونوا معي، انتهوا على الطريق. آخرون تركوني في حمى السباق، وغادروا. عديدون عارضوا. ليس مهمًا مصيرهم، وليست حال من بقي منهم تسر."!

-ماذا بعد؟!

سؤال لم يعره اهتمامًا، حين طن في خاطره. لكن إجابته حضرت:

-نحيا الفوز، ونعيش النصر.

-ماذا بعد؟!

سؤال آخر نتأ في خلده مفاجئًا. وخاصة بعد ترافقه مع أقوال بدأت تتردد بكثافة:

-ألن ينتهي برنامج الاحتفال؟! هل تكون الأيام كلها مباركات وبرقيات تهنئة وزهورًا اصطناعية؟!

حين كانت تخطر أفكار كهذه خلال الأيام الشاقة، سرعان ما يظهر الجواب:

-لا تهتموا بالتفاصيل. دعوا الغاية الأسمى نصب أعينكم! ومن يلح، عليه أن يتحمل نتائج تشكيكه!

لم يعد من يسأل أو يفكر.

-لماذا كان كل ذلك؟!

-لا أفهم!

-ما الغاية من كل ما حدث؟!

-الوصول.

-إلى ماذا؟!

-إلى الفوز.

-والغاية الأسمى؟!

-تحصيل حاصل.

-والجدوى؟!

-الجدوى.. الجدوى..!! لماذا تشوهون الفرح ؟!

-والمشروعية؟!

-تحقُّقُهُ دليل على أننا نسير في الاتجاه الصحيح!

-وما الدليل على صحته؟!

-المبادئ، والناس، والتاريخ، والكتب، والأرض المزروعة بالضحايا..

-وماذا بعد؟!

ماذا بعد؟!

السؤال الذي بدأ يتسع، ويتمدد.. يشوك الأوقات، ويفرض أسئلة أخرى تتكاثر.

قناعة..

مسكين هذا الرجل؛ عنيد أم معتوه؟!

يلاحقني من مكان إلى مكان، ومن وقت إلى وقت يسرف في الحديث؛ يناور؛ يشرق ويغرب محاولًا إقناعي. لا يكل ولا يمل أو ييئس، ولا يغضب من ردود أفعالي المختلفة، غير اللطيفة أغلب الأوقات..

في البداية، لم آخذ الأمر على محمل الجد. وحسبت أنه مجرد طرفة. على الرغم من عدم وجود متسع للفكاهة بيننا، وليست علاقتنا وطيدة إلى الحد الذي يتيح مثل هذا، أو يسمح به. ولست ممن يحبون المزاح. وهذا ما يضايق الكثيرين من أصدقائي في بعض مجالس الأنس التي تجمعنا.

ربما كان الدافع إلى اعتقادي ذاك، المفارقة الكبيرة بين ما أفكر فيه من مبادئ ومواقف وتاريخ وأحداث، وبين ما يدعوني إليه، ذاك الذي لم يتجرأ سواه على اقترافه. ربما لأنهم يعرفونني عن قرب.. وحين بدا لي أن الأمر إلى استمرار، تضايقت. وبدرت مني ردود أفعال ناتئة، أخذت تزداد حدة، حتى أصبحت غضبًا باديًا.

لكنه لم يتوقف..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت