كنت أحسب أن أمر التقائنا عرضي، وتعارفنا مصادفة. وخيل إلي أن سؤاله بلا خلفيات أو أساس. وربما كان داعية لفكرة يقتنع بها، ويود حشد الآخرين في جانبه. وهذا حقه؛ كما أفكر دائمًا.
حتى إذا ما أراد أن يكون أتباعه من المثقفين أو المعروفين مثلي، فهذا لا يبتعد عن حدود ما أقره، وأعترف بمشروعيته. وغبطت الزمن الذي ما يزال فيه مثل هذا المخلص..
لكني بعد وقت بدأت أظن أنه يترصدني؛ فمن غير المعقول أن تتكرر المصادفات إلى هذه الدرجة. ومن غير المقبول أن تتقاطع أوقاتنا ونشاطاتنا إلى هذا الحد. وخاصة بعد أن بدأت أغير من بعض جداول أعمالي، بأية حجة أقنع بها نفسي، دون أن أصرح بذلك. لكني فيما بعد صرت أخطط لمثل هذا التعديل. ولم يكن الأمر ليختلف إلا قليلًا؛ إذ لا تلبث المصادفات تترى..
أول الأمر كان يقول:
-ما رأيك في أن..
ثم صار سؤله معطوفًا على ما سبق من لقاءات، فليس من الضروري أن يفصح عما يريد، فيقول:
-إيه.. هل من جديد؟!
فأقول متجاهلًا:
-في أي أمر؟!
-ولو يا رجل.. ماذا نفعل من زمن إذن؟!
وحين بدأت أتجاهله في أي مكان، وأتجنب السلام عليه، لعله يتركني بحالي، ويمضي إلى تبشيره بعيدًا. صار يقترب مني، أو يلطمني بكتفه إذا كان قريبًا. ويقول:
-العتب على النظر!
وقد يهتف:
-طبعًا؛ عرف الحبيب مكانه فتدللا!
ويضيف:
-لا تسلّم؛ لا بأس! ولكن قل لي ما الذي جد في موضوعنا ؟!
يقول أحيانًا:
-أنا أعلم أنك تفكر، ولم تصل بعد إلى قرار.. لا مشكلة؛ المهم أني بانتظارك. لا تنس!
كيف عرف أني مشغول بالأمر؟! من سكوتي عن مواجهته؟! تلك التي عييت من متابعتها؟! أعترف أني عاجز؛ يبدو أن في الأمر ما يدفع على التفكير. هو أشار إلى أنني أفعل؛ هل هو متأكد من ذلك؟! وما الذي يجعله متأكدًا؟! لم أقل لأي كان، لا في العمل أوالبيت، ولا في لقاءات الأصدقاء.. تلك الجلسات التي ضعفت حماستي لها، ولم يبد غيابي نقصًا، فأنا في الأصل لا أستسيغها كثيرًا؛ ربما يمرحون في غيابي أكثر. هل يعرف بعدم تواجدي بينهم؟! هذا ممكن. لكن ذلك لا يعني أنني أفكر؛ أقصد: أفكر في موضوعه.
وما هو الموضوع الذي يأخذ منه كل هذا الجهد؟! وكل هذا الإصرار؟! وكل تلك القناعة؟!
لعله مأجور، يقبض ثمن كل رأس يحنيه!!
لو الأمر كذلك، سيخسر. فلا أعتقد أن شيئًا ينتظره من مراودته لي. وعليه أن يستفيد من أتعاب إقناع رؤوس كثيرين غيري.