لكن الأشياء متعالقة بما لا يعرفون، والظروف قاتمة، والمنعطف خطير!"."
إلى وقت قريب، كانوا يحيون فيرد، يهللون فيبتسم، ويرفعونه على الأكتاف فيضحك. ولا يلمحون علائم الاكتئاب من سقوط بلا (راحات ) .
-لماذا تبتسم؟! تضحك؟!
-رحمة بدموعهم، بأعصابهم..!
-ولكنك بذلك…
-أعرف، أعرف. وهذا سر ما أنا فيه!
في المأدبة الكبيرة التي أقيمت على شرفه، كان الجميع بانتظار ما سيقول. كيف سيتناول المواضيع الكثيرة التي استجدت منذ آخر وليمة حضرها. وكيف سيكون تعليله للجدب الذي ألم بالكرة التي تكاد تدوخ من دوران بحسبان، ومصير بلا حسبان. وبماذا سيعد شقوق الأرض، وأوراق الذبول؟! وهل سيكون بمقدوره أن يحظى بذاك القدر من الإنصات؟! بتلك القدرة على الإقناع، أو تلك الأصداء المباركة..؟!!
تلك التساؤلات، كانت أولى المفاجآت، بانتظار المفاجأة الكبرى. وراهن الكثيرون على أنه لن يأتي..
-لكنه وافق على الحضور..
-بل لم يرفض..!
لو كنت حيًا، لما ترددت في القبول: من هو الأحمق الذي يرفض أن ينتشي من قصائد الإطراء وأقوال التبجيل؟! ومن العنيد الذي يقاطع الحياة؟! ومن هو الغبي الذي يتعالى عن التكريم، من أية جهة أتى؟!
لو كنت ميتًا، لما كان الندم ينغل في شراييني، ولم أكن لأحس بهذا القدر من الانكماش، ويهيمن علي هذا الإحساس بالخسران. الموت عجز كامل، صحيح. ولكنه أهون من قصور نسبي. لو أعلنت موتي، لشردت الجموع تبحث عن شماعة أخرى. قد يكون البديل أوضح عجزًا مني، وعنادًا. فأحزن كثيرًا، وأشفق أكثر. وربما يكون أهمّ حضورًا، فيلغي ما تقدم من إنجاز، وما سيتأخر. ولن يكون الأمر ممكنًا أو سهلًا؛ فالشاة ما يزال يؤلمها السلخ، وإن تكن ذبحت مرات..!
لو ذهبت لعمت الفضيحة، وتألموا، ولتبارى المعالجون من شرق الأرض وغربها. أنا لا أثق بأطباء المهمين، ولم يحن الوقت بعد لأنسى!
لو كنت قادرًا على البوح، لارتحت وخابوا؛ فما معنى وجودي بعدها؟! لو كنت جريئًا على الاعتراف، لما تأجلت الوليمة الكبرى مرات. صحيح أن الولائم الصغيرة تعددت، والأضاحي تكاثرت، والممثلين قاموا بالواجب وأفاضوا.. وهم لن يملوا من ذلك، فلديهم من تاريخي المديد ، ومن آثاري التي ترسخت في وجدانهم، ومبادئي التي بنيت عليها كل إنجازاتهم، وآمالهم، ما يمكنهم من الخوض طويلًا، والشرح أكثر.