أعترف أنه نجاح هام آخر، أن يقوموا هم بما لا أقدر -ربما -على القيام به. خاصة، بعد أن صار ما صار في جهات مختلفة، وما قيل ويقال على مسامع الخلق الذين يسمعون أصواتًا أخرى .
صحيح أن هذا يجري - ما يزال- رغم أني بعيد قريب. ولكن إلام ؟!
هذا ما يشغلني، يؤلمني، يسمم لحظاتي.. وهو
ما لا أستطيع إظهاره.
إلى الآن، أجد من ينوب، من يؤدي الواجب. ولكن في الوليمة الكبرى، لا يليق أن أغيب. هي عظمى لأنها من أجلي. هكذا أردتها فيما مضى، وكانت. وهكذا أرادوها. وأجلت مرات..
لماذا يقيمونها الآن؟! لإحراجي؟! لاكتشاف حقيقتي؟!
أنا من أطلقها، صحيح. أنا من زينها وجعلها ذروة الولائم، وعنوان المناسبات. فكيف أغيب عنها؟! ألغيها؟!
ما يزال من يستطيع- ويتمنى - أن يظهر باسمي، ويتحدث بلساني أكثر مني. ولم يختلفوا على ذلك، بل تسابقواعلى متابعة الطقوس: من سيقدم المطلوب؟! المتبرعون ما زالوا - لحسن الحظ -كثيرين، وليست المشكلة هنا. ولكن…!
( دخل غريب إلى بيت؛ قيد الزوج، واغتصب الزوجة أمام عينيه. وحين خرج، ألقى الرجل على امرأته الطلاق .
-ألم تر أن ذلك جرى رغمًا عني ؟! ولم أستطع المقاومة ؟!
-أفهم أنه اغتصاب، ولكن لماذا الآه والإيه ؟! ) .
كانت تلك آخر ما سمع، في آخر وليمة حضرها..!!
الجدار
يغلف الجهات بإحكام.. مدى مقطوع يتململ حولي؛ السماء مختصرة، والهواء آسن.
أشياء عديدة تجاورني، وأحياء كثيرون مشغولون بالأرض والسماء، أو بأنفسهم. يتصايحون بإيقاعات تتراوح بين الغناء والغضب والنواح..
وأنا مهتم بأمر ذاك الجدار العنيد!
ما يشغلني أكثر أنه لا يثبت في مكان؛ يبتعد حينًا حتى لأحسب أنه تلاشى في جهة ما، فأشعر بارتياح، وأعدو في تلك الجهة علّي أصل إلى ما كان يخفيه.
لكنه لا يلبث أن يعود؛ بل يقترب إلى درجة تضيق معها أنفاسي، وأحس أنه جاثم فوق صدري، فأكاد أختنق. أصرخ بحدة، وتجحظ عيناي، وأفيق بعدئذ في عيادة طبيب ما يزال يتعثر في تشخيصه، أو كوخ حكيم شعبي مكفهر. وربما تطوف فوق رأسي عصا محمومة على وقع تمتمات مستجدية مستعطفة في الدار، أو تحت قبة قرب ضريح عتيق مخضر. ويعود المنشغلون بي إلى اهتماماتهم الأخرى، داعين مشفقين ممتنين شاكرين على ما ينعمون به!!
-أين ذلك الجدار الذي تتحدث عنه؟! ولماذا لا يراه سواك؟!
أقسم لهم، أشير بيدي، أركض صوبه، وأصيح بهم:
-تعالوا معي لأريكم إياه، ولتتأكدوا بأنفسكم!!