فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 33

-أما آن لك أن ترتاح؟! هل تود الخروج من جلدك يا ولدي؟! أنت تزيد من إرهاق جسدك ونفسك وأهلك. إن هذا جحود.. إنك تحاول منازلة قوة أعظم منك شأنًا! انظر إلى العباد الصالحين القانعين. واعمل في هذه الأرض الفسيحة. إنها ميدانك الواسع الذي يليق بك، وليس عارًا عليك أو سجنًا.. ودع عنك أوهام الجدار، والمدى المقطوع، والمفازات الضيقة، والمسافات الضائعة. إنه الشيطان الذي يوسوس في صدرك ورأسك. لماذا تفسح له المجال؟! تحرر من سلطانه وإغرائه، وارمه خلفك. وعد إلى سواء السبيل.. كف عن النظر أبعد! وتمتع بما لديك من إمكانيات ونعم، ونم هانئًا قرير العين!

بقعة لون مغاير بدت في اتجاه ما؛ هل هي ثقب في الجدار أم تصدع أم انهيار ؟! لا يهم ما تكون، ولا سبب تشكلها؛ المهم أنها حدثت، بعد أزمنة خلت معها أن شيئًا من هذا لن يحدث. إذ انتصب الجدار عنيدًا قاتمًا عاليًا، حتى حسبت أنه قدر متمكن، وقضاء قائم سرمدي. وحاولت _ عصورًا_ أن أسير نحوه، لأتحقق من وجوده على الأقل، وأتعرف على مادته وأبعاده إن أمكن.

الفشل المتتالي أعاق مبادرتي، والخيبات المتكررة أوهنت قدرتي على النهوض. لكن الرغبة في الوصول إليه واستكناهه وتجاوزه وحدها بقيت حارة محمومة. وها قد تضاعفت حيويتها مع هذا الوضع الجديد الذي يبدو أنه أكثر حقيقية ووضوحًا من كل الصدوع التي بدت، والثقوب الأخرى التي حدثت، أو ظننت ذلك.

الآن أحس أن قواي متوثبة والحواس مشحونة. واستباق الآتي يترك حالي تنطلق بفوضى، دونما دليل أو استبصار للطرق الأكثر جدوى للوصول، سوى ذلك الذي يلوح في البعيد في اتجاه ما.. يبدو ويلتمع ويشع ويضحك، ويدعو بلهفة وتودد وسرور.

الأعضاء تتحرك بتواتر غريب، دون اعتبار لإمكانية كل منها، وأولويتها في المبادرة. والأحاسيس اضطرام وسباق وإسراع ومسافة تسبق الأعضاء، وتمهد لها الطريق، وتؤمن المشروعية.

الفرصة الآن سانحة؛ لا شيء يحد من الاقتناع بذلك. وإمكانية الوصول متوفرة.. والفرحة بقرب التعرف على ما وراء الجدار وإدراكه مبررة.

زمن مضى، ومسافات طويت.

كم بقي للوصول؟! لا يهم؛ فالفرصة يزداد تحسس ملامحها. والحركة المطردة مستمرة. والأنفاس تتواتر، والوصول ممكن وقريب!

بهمة عالية ونشاط محموم، أحمل الحجارة و التراب وأية مادة متوافرة أو متصورة.. وأتلهف إلى من قد يشاركني في إعادة بناء الجدار الذي ينتصب شيئًا فشيئًا عنيدًا جبارًا!!

الكوة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت