فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 33

قطرات المطر تضرب وجه الأرض بشغب طفولي؛ فهل هذه البداية؟! وهل سيكون هذا الشتاء شتاء؟! هل سيظل مبررًا تسمية الأشياء بأسمائها؟!

ما يهمني؟! وماذا يمكنني أن أفعل؟! أنا الناظر من هذه الكوة، المتحصن خلفها أوزع النظرات في كل الأنحاء، قدر ما يؤمنه لي حيزها المحير!

منذ متى أنا هنا؟!

الكوة أمامي مساحة للضوء غير منتظمة الإطار، ولا محددة الأبعاد أو واضحة الحدود.. تتطاول أحيانًا في اتجاهات مختلفة، فأستطيع أن أميز عبرها أشكالًا وأشياء وهياكل. وأعبر عن طريقها إلى أمداء فسيحة أضيع في متاهاتها، وأقضي أزمنة في شعابها، مشدوهًا من تمايزها، ومشدودًا إلى ثناياها وتفاصيلها، منتشيًا من ملذاتها، غارقًا في أديمها الذي قد يتحرك ليصير كل شيء ممكنًا، وتغدو أية خيبة متوقعة..

وحين تضيق الكوة، تنسحب المشاهد، وتختصر الأحداث. تتقاصر الأبعاد، ويختزل الفضاء. ينوس الضوء، حتى لأظن أن العمى في طريقه إلى عيني. فتغدوان بلا معنى حين تنغلق الكوة، ويسود الظلام، كأن شيئًا لم يكن.. ويدور تساؤل عاقر: هل كانت كوة حقًا؟! أم هذيان كائن حائر حالم؟!

خيوط المطر تتكاثف إبرًا دقيقة طويلة، تنغرز في سطح الأرض..

هل يكفي هذا المشهد المؤثر وهذه اللحظات الأثيرة للإقناع؟! وكم من العواصف يلزم ليتلون الوجه الكالح؟! أو ليتم إرجاء البحث عن مشاريع استمطار تحتاج في أحسن حالاتها غيمًا خصيبًا؟!

معرضًا أطرافي ووجهي للبلل، أظل مشدودًا إلى الكوة برائحة معتقة غابت منذ زمن بعيد..

يطوف بي إحساس بالغمر.. طوفان يملأ الحفر والثغور؛ الماء يحملني، والماء يدثرني.. وأنا أتحرك دون مشقة.. منذ متى أعرف السباحة؟! وكيف لا أختنق؟!

سعيدًا منتشيًا أطوي قيعانًا متشعبة، أتجاوز الصخور والجروف.. أنسل عبر الموج الموتور.. أستريح فوق سرير لدن، وأحلم بسماء صافية وبرية واسعة وشاطئ طويل!

السماء صافية والمدى مكشوف، والأرض تستعيد حيويتها، بعد أن كادت تلفظ أنفاسها.

نسمات تعبر الكوة، دبيب البرودة يحفز المسام، ويوقظ التوق إلى تجاوز ما ينكشف للنظر:

الزرقة مركب مجنح ينفلت من رتابة اللون، ويغوص في عمق الظلام. فوانيس تضيء، وتختفي، وتنضب. الكوة تتسع باطراد، مدى فسيح وأبعاد تغري؛ ملامح انتصار. غرور وتبجح، تغافل واستهتار.. فوضى وجموح غافل.. عربدة وجنون.. تتكسر أشرعة، وتغور أضواء، وتختفي الجهات: ظلمة وتبدد وحيرة..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت