فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 33

تتبخر النشوة، ويعود الكائن إلى حصنه، والمراقب المحموم إلى كوته، والخيال إلى ذاته، والتساؤل إلى نشاطه:

منذ متى أنا هنا؟! وماذا أفعل؟! من أين جئت؟! وما سر ارتباطي بهذا المكان وتلك الكوة؟! وهل أنفذ مهمة أم أمرًا ذاتيًا أم غاية مجهولة؟!

الذاكرة ارتداد قاصر إلى أزمنة ولت، وهيئات تبدلت.. إلى عراء فاضح وامتداد كسيح وغايات مبتورة!

أمداء ومراحل وحالات وأشكال تخطر في البال، فيستنفر أدواته المتهيئة والاحتمالية للربط بينها، واستقراء مواصفاتها، واسستنتاج مدلولاتها وتراتيبها والتكهن بما وراءها. لكن انقطاعات مهمة في الذاكرة التعبة، وعتمة في مقاطع منها، وحشرجات في منعطفاتها، تراكم الأسى والكآبة، وتضاعف العجز والخيبة، والخوف من الظلام الذي يسود. فلا أكاد أحس بما حولي. لكني أشعر بالرطوبة عالية، والأنفاس تتثاقل. ويزيد من حال الانضغاط الكامن إيقاعات تتردد أصداؤها؛ لا أستطيع تمييزها؛ هل هي نتيجة ارتطام نقاط الماء التي تنسرب من سطوح هذا المكان بالأرض؟! أم دبيب حشرات كثيرة في طقوس حيواتها المتنوعة؟! أم وقع خطوات قادمة أو مغادرة لكائنات أخرى في دورة حياة مغايرة، وملامح لا يمكن تحديدها في هذا الظلام المهيمن، والعزلة المفروضة، والخوف المقيم!

هل هي ريح أم أصداؤها تضرب أطراف هذا المكان؟! أو هي تتأهب لذلك؟!

أم ترددات أنفاسي المتعبة، بل أوهامي المتعاظمة؟! وربما فترة انعطاف حادة أخرى في مسيرة وجودي الغامض؟!

يا إلهي..!

كيف الخروج من هذا الحصار؟!

كيف يمكن التعرف إلى ما يحيط بي؟! والتكهن بما سيحدث لي؟!

أين أنا؟! ومن أين هبط كل هذا الظلام؟!

أين ذهبت الأضواء التي بهرتني؟! وكادت تحرقني؟!

آه.. أين الكوة التي كانت أمامي؟! وكنت أستمتع بالنظر فيها؟! أين ذهبت؟! منذ متى غابت؟!

سأبحث عنها؛ أين كانت؟! في أية جهة؟! لقد ضاعت الجهات..!

إلى أين أتجه؟! كيف أتحرك؟! الحركة صعبة.. الصخور والحفر.. الأخاديد والشروخ والنتوءات.. الجذوع والحجارة كلها تجاورني. والأصوات الغامضة تتضاعف؛ إنها تقترب!

هل ستفتح الكوة ذاتها أم كوات أخرى كثيرة؟!

هل ستبعثر المكان والأشياء والموجودات؟! هل ستحيل هذا المكان إلى أثر وذكرى؟!

وأنا.. ماذا سيحل بي؟! وكيف سألقى حتفي؟! وهل من منقذ؟!

الهلع يتزايد، والأصوات المدوية تجتاح المكان طاحونة هائلة. لم أعد أسمع أنفاسي، أفكاري، تخيلاتي..

الدوي يقترب..

والمكان بمن فيه وما فيه يهتز بقوة..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت