فهرس الكتاب
لقد شهدوا فرحتي بالرحلة واعتزازي بها، فور تلقيَّ نبأها. أخبرت كل من أمكنني الوصول إليه، عرجت على كثيرين مضى على انقطاعي عنهم زمن طويل. أعدت الصلة بآخرين لم ألتق بهم منذ سنين.
كنت فرحًا.. تلك هي الحقيقة التي لا أستطيع نكرانها، إن ذكّروني؛ كنت طائرًا محلقًا نشوة وسعادة. أيقنت أنها منجاتي وسبيلي إلى ما لا يشك بميزته، ولا يستطيع أمامه أحد ان يتفاخر أو يتطاول.
شهدوا ذلك وعاينوه، فماذا أقول لهم الآن؟! وكيف أقنعهم بما آلت إليه الحال؟! وهل أنا مقتنع أولًا؟!.
أتساءل.. ولا وقت طويلًا، ولا معنى للتساؤل أو الإجابة التي لا تحتاج إلى كبير تفكير:
هل أنا ذلك الكائن الذي كان قبل الرحلة؟! أم شخص آخر؟!
هل هذا القابع في ركن عصي على الضوء الذي يزداد انتثاره في الخارج هو ذاته الشخص الذي كان يشع حيوية وفرحًا وانطلاقًا؟! وهل كان ذلك مبررًا؟! وهل ما حدث كاف للتسبب بهذا الانقلاب الهائل؟! أم أن الأمر لا يعدو كونه هروبًا أو تقهقرًا أو سقوطًا؛ كما سيسميه الكثيرون.
وأتساءل:
أعائد حقًا من رحلة موعودة؟! وهل أنا بالفعل من كان ينتظر مهمة مميزة؟! انتهت الرحلة أم ابتدأت؟! نفذت المهمة بنجاح أم أخفقت في ذلك؟! وهل هي معروفة أو مفهومة أو محدودة؟!
وما هي تلك الرحلة؟! إلى أين وجهتها؟! من قررها؟! من أخبرني بها؟! كيف؟! ولماذا فرحت كثيرًا أو قبلت؟!
وهل ذهبت حقًا؟! وأي طريق سلكت؟! ومن دلني عليها؟! وأين غابت الطريق والدليل؟!
كيف أعود إلى نقطة البدء؟! هل كنت وحدي أم كان آخرون؟!
أين هم الآن؟! ما الذي حدث هناك؟! لا في البداية، ولا في النهاية؛ بل آناء الرحلة، وعبر الزمن الذي استغرقه غيابي؛ كم دام ذلك؟!
لا أستطيع التذكر؛ لماذا غابت الذاكرة؟! أصدمة أوقعتني من مكان بعيد؟! أو مفاجأة خلخلت أجهزة الوعي؟! أو انبهار عطل أدوات التسجيل؟! أم هروب احترازي ساقتني إليه الحالة؟! ما الذي حدث وأين وكيف؟!
لغز لا أعرف تفسيره، ولا أقدر على حله؛ كيف سأشرح ذلك لهم إذن؟!
آه لو يمهلونني لحظات.. ساعات.. أيامًا.. سنينًا.. أعمارًا!
ليتهم لم يعلموا بحضوري..! لكن لا.. سيعلمون.