فهرس الكتاب
وأقرر الشكوى…
حين وصلت، كدت لا أعرف نفسي، حين لمحت صورتي في زجاج الكوة. خلت أن عيني لم تعودا كما ينبغي، جراء التماع الحدود القاطعة في الأسلحة المسلطة والأيدي المتأهبة. الحريق الذي ينهمر من السماء كما يفور من الأرض، أتى على ملمح ما ظهر مني. والشرارات التي تندلع من الداخل تكفي لتغير في خواص المفاصل والأعضاء، وتحد من قدرتها على مقاومة التهدل والانكفاء؛ لولا رذاذات أمل تنبعث مرة من عين، وأخرى من يد، وثالثة من فم، وسواها من حيادية أو تذمر أو إشفاق. كانت الموافقات تشيع الانتظارات، وترفع من قيمة الأشياء التي تبدو صغيرة: كالتوقف عن الاستخفاف، أو التريث في الرد والإبعاد، ومجرد الاستماع إلى ما يمكن أن يحمله هذا الملحاح اللجوج العنيد المغامر. طلبوا مني مرات أن أكتب ما أريد في ورقة ستصل إليه دون ريب.
قلت: أخاف على الورق..
قالوا:
-أتريد وظيفة أو منصبًا رفيعًا أو مالًا أو رأسًا؟!
قلت: هو سر لو علم به أحد، فقدت الرحلة مغزاها، وفقد رجل مهم جدًا شيئًا مهمًا جدًا.
-هل أنت ساحر أم مجنون؟!
لم أرد، هززت رأسي فحسب.
وفي آخر مكمن، قال كبير الكوة:
-تأخرت، أو بكرت..
-لم أعد أذكر.
لكنني سمعت التالي: إنه في المقر الشتوي.
-وأين ذلك المقر؟!
-من أية أرض جئت؟! ألا تعلم أن لسيدنا مقرًا شتويًا وآخر صيفيًا ؟! ألا تسمع الأخبار؟!
-كنت مشغولًا في معرفة الطريق إليه؛ متى سيعود؟!
ثار كبيرهم:
-أتسخر منا؟! ومن أين لنا أن نعرف؟!
وتابع آخر جواره بلهجة أقسى:
-حين نعرف سنخبرك؛ اترك لنا رقم هاتفك، عنوانك، أحد معارفك..!
قلت في نفسي: سأشتكيكم إليه؛ لا يقبل بمثلكم في دائرته، لا يمكن لكائنات كهذه أن تمثله، أن تتحدث عنه أو باسمه، أن تراه، تعرف أخباره، أو تستقبل رسله.
في الوصول التالي، قال البدلاء: إنه في المقر الصيفي.
كانت لي رحلتان، منيت النفس بوصولين: في الشتاء والصيف. أما الخريف والربيع فأمضيهما على الطرق، وفي المنعطفات والمفاوز العصية.
و قررت أن أنتظره، كي لا نظل نتبادل أدوار الفصول؛ أصل المشتى في الصيف، وأصل المصيف في عز الشتاء. حتى حسبت في بعض الأحيان أننا نلعب، لو كنا من برجين متقاربين.