فهرس الكتاب
كنت أراجع نفسي، وما تريد، وما أود أن أقول له، فأخجل من أني سأشغله بأمور لا تليق؛ هو الحامل هموم العباد كل العباد. فماذا تعني رغبة مني في أن أحس سعادة، وعلى حساب من؟! ولماذا؟! أعود شاتمًا نفسي على أنانيتي. وما إن أستقر في مقام، حتى أحس بالقلق والأرق . وأشعر أن هذا العمر القصير يستحق أن أشغله، وأتوِّجَه بلقاء سعيد، أو نشوة مقنعة. فأشد الرحال من جديد..!
أيتها الأمارة بالسوء، هل كان ضروريًا ذلك؟! هل كان لزامًا أن تتعلق سعادتي برضى امرأة أو مقابلة السلطان؟! أن أطلب النشوة من لدن الغصة؟! أو أستهطل السعادة من غمام لا يفي؟!
منذ أمد بعيد، كنت أعيش بلا آهات؛ آكل من خشاش الأرض، ألبس من رداء الشجر، أنام كما تنام الكائنات التي لا تضحك، ولا تبكي، ولا تتأفف. لا أحب ولا أكره. لا تجتذبني نظرة، ولا تستملكني قضية. كيف حدث الذي حدث؟! أيتها الأمارة بالسوء: كل البلاء منك، كل الشقاء بسببك، وكل هذه التعاسة من أجلك!
كنت آيبًا من خيبة أخرى، ولم أكن أحس الضنك من وعورة الطريق؛ بل أريد لتلك المستحكمة بإرادتي أن تتعذب. فأفرح بالعثرات، وأنتشي من شوك يتطاول، حتى ليكاد يغلق الدرب التي تبدو ضيقة قارسة، كأنما لم يمر بها أنسي منذ أمد بعيد..
تمزق الثوب، وشعث الشعر، وصبغت الدماء أعضاء جسدي، رحت ألعق ما يسيل إلى شفتي، حين أمسح جبهتي. أسير الهوينى صاعدًا سفحًا، نازلًا ذروة. خطواتي تتثاقل، وهمتي تنوس، والجسد يتوق لكل أشكال العذاب. ورحت أصغي لصوت قريب بعيد:
"ما الذي فعلت لك لأستحق كل هذا العقاب؟! أنت تحسب أنك تعاقبني، تهينني، تذلني.. أنسيت أنك مأواي، وأني رغبتك؟! حررني منك إن كنت صادقًا في قولك. أطلقني من إسارك لترى إن كنت حقًا سببَ شقائك. ولنر إن كنت ستسعد!"
ستقول لي: اتركيني أنت. حرريني!
أنا معك، من أجلك، من أجلي أيضًا؛ أنا لا أستطيع العيش؛ أقصد لا معنى للعيش من دونك، كما هي الحال ذاتها بالنسبة إليك!
كفاك تعذيبًا لي ولك. كفاك لومًا وعتابًا! قبل أن صرت ترغب وتأمل وتتمنى، قبل أن صرت تشتهي، وتنتشي، ما معنى أيامك تلك؟! وهل تستذكر منها شيئًا؟!