ولهذا نجد المدخن يصبر عن الطعام والشراب، ولكنه لا يصبر عن الدخان، فتناول الدخان - إذن - ينتفي مع معنى الصوم الذي ذكره الحديث القدسي:"يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي" [1] .
من أجل ذلك: نرى ضرورة تقيد المفتين - شفهيًّا وتحريريًا - باعتبار التدخين في كل صوره من مفسدات الصوم دون أي تردد أو أدنى خشية، والله أعلم.
ثانيا - الأنف:
يختلف الفقهاء في اعتبار ما يدخل من الأنف مفسدا للصوم، نتيجة اختلافهم في قبول حديث لقيط بن صبرة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: (( وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما ) )، واختلافهم في مدى دلالته، وفي جواز القياس عليه [2] .
وبناء على ذلك: أفتى البعض بأن ما يدخل من الأنف إلى بدن الصائم يفسد صومه، يستوي في ذلك أن يكون بخاخ زكام، أو سعوط أو مسحوق عطر، أو ماء الاستنشاق المبالغ فيه [3] .
وأفتى بعض آخر بأن كل ما يدخل من الأنف إلى بدن الصائم لا يفسد صيامه مطلقا. [4]
وهناك من ميز في فتواه بين ما كان له جرم - كالماء والسعوط والعطر المسحوق - فعده من المفطرات إذا وصل إلى الحلق، وما ليس له جرم - كالبخاخ ونحوه - فلا يفسد الصوم [5] .
(1) أحمد الشرباصي، يسألونك في الدين والحياة: 6/ 101؛ محمد رشيد رضا، فتاوى: 5/ 2123؛ محمد عقلة، الصيام، ص 230 - 231؛ فضل عباس، التبيان والإتحاف، ص 94
(2) انظر في ذلك: النووي، المجموع: 6/ 337؛ ابن تيمية، حقيقة الصيام، تخريج الألبا ني، ص 12؛ ابن قدامة، المغني: 3/ 105؛ ابن حزم، المحلى: 6/ 300 وما بعدها.
(3) (22) أبو سريع محمد عبد الهادي، أحكام الصوم والاعتكاف، ص 80 - 81؛ رفعت فوزي، الصوم، ص 77؛ محمد حسن هيتو، فقه الصيام، ص 8
(4) عرض هذا الرأي النووي في المجموع: 6/ 327, وبه أخذ ابن حزم وابن تيمية والقرضاوي. تيسير الفقه، ص 9
(5) الجبرين، فتاوى الصيام، ص 49؛ يوسف مغربي، رفع الحرج والملام، ص 84؛"فتوى اللجنة الدائمة"، ص 85 فتوى الشيخ ابن عثيمين"؛ ص 89"فتوى الشيخ الفوزان"."