ومما ينبغي أن يعلم: أنه وإن كان المختار الإمساك عما شجر بين الصحابة والاستغفار للطائفتين جميعًا وموالاتهم؛ فليس من الواجب اعتقاد أن كل واحد من العسكر لم يكن إلا مجتهدًا متأولًا: كالعلماء، بل فيهم المذنب والمسيء، وفيهم المقصر في الاجتهاد لنوع من الهوى، لكن إذا كانت السيئة في حسنات كثيرة كانت مرجوحة مغفورة. أهل السنة تحسن القول فيهم وتترحم عليهم، وتستغفر لهم، لكن لا يعتقدون العصمة من الإقرار على الذنوب، وعلى الخطأ في الاجتهاد، إلا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ ومن سواه فيجوز عليه الإقرار على الذنب والخطأ، لكن هم كما قال تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ} [الأحقاف:16] )."الفتاوى" (4/434) .
ونحن إذا قلنا إن أفراد أهل السنة غير معصومين, حتى العالم من أهل السنة قد لا يسلم من الذنب أو الخطأ أو الزلة، فليس هذا من الانتقاص في شيء فعلماء أهل السنة - رحم الله أمواتهم وحفظ أحياهم - كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: (أهل السنة في الإسلام، كأهل الإسلام في الملل؛ وذلك أن كل أمة غير المسلمين فهم ضالون، وإنما يضلهم علماؤهم؛ فعلماؤهم شرارهم، والمسلمون على هدى وإنما يتبين الهدى بعلمائهم، فعلماؤهم هم خيارهم؛ وكذلك أهل السنة، أئمتهم خيار الأمة، وأئمة أهل البدع، أضر على الأمة من أهل الذنوب، ولهذا أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتل الخوارج؛ ونهى عن قتال الولاة الظلمة...) ."الفتاوى" (7/284) .
وقال رحمه الله: (أهل الكتاب والسنة إما قائمون بظاهر الشرع فقط، كعموم أهل الحديث والمؤمنين، الذين في العلم بمنزلة العُبَّاد الظاهرين في العبادة، وإما عالمون بمعاني ذلك وعارفون به...، فهؤلاء هم علماء أمة محمد المحضة، وهم أفضل الخلق، وأكملهم، وأقومهم طريقة) ."الفتاوى" (20/44) .