فأجاب: هذا يراد به شيئان: أحدهما: أن من التزم مذهبًا معينًا ثم فعل خلافه من غير تقليد لعالم آخر أفتاه؛ ولا استدلال بدليل يقتضي خلاف ذلك، ومن غير عذر شرعي يبيح له ما فعله؛ فإنه يكون متبعًا لهواه، وعاملًا بغير اجتهاد ولا تقليد، فاعلا للمحرم بغير عذر شرعي، فهذا منكر، وهذا المعنى هو الذي أورده الشيخ نجم الدين، وقد نص الإمام أحمد وغيره على أنه ليس لأحد أن يعتقد الشيء واجبًا أو حرامًا ثم يعتقده غير واجب ولا حرام بمجرد هواه، ...وأما إذا تبين له ما يوجب رجحان قول على قول، إما بالأدلة المفصلة إن كان يعرفها ويفهمها، وإما بأن يرى أحد رجلين أعلم بتلك المسألة من الآخر، وهو أتقى لله فيما يقوله، فيرجع عن قول إلى قول لمثل هذا، فهذا يجوز، بل يجب، وقد نص الإمام أحمد على ذلك، وما ذكره ابن حمدان: المراد به القسم الأول؛ ولهذا قال: من التزم مذهبًا أُنكر عليه مخالفته بغير دليل أو تقليد أو عذر شرعي، فدل على أنه إذا خالفه لدليل فتبين له بالقول الراجح أو تقليد يسوغ له أن يقلد في خلافه؛ أو عذر شرعي أباح المحظور الذي يباح مثل ذلك العذر لم ينكر عليه. ...ولا ريب أن التزام المذاهب والخروج عنها إن كان لغير أمر ديني مثل: أن يلتزم مذهبًا لحصول غرض دنيوي من مال أو جاه ونحو ذلك: فهذا مما لا يحمد عليه، بل يذم عليه في نفس الأمر؛ ولو كان ما انتقل إليه خيرًا مما انتقل عنه، وهو بمنزلة من لا يسلم إلا لغرض دنيوي، أو يهاجر من مكة إلى المدينة لامرأة يتزوجها أو دنيا يصيبها...، وأما إن كان انتقاله من مذهب إلى مذهب لأمر ديني، مثل أن يتبين رجحان قول على قول، فيرجع إلى القول الذي يرى أنه أقرب إلى الله ورسوله: فهو مثاب على ذلك بل واجب على كل أحد إذا تبين له حكم الله ورسوله في أمر أن لا يعدل عنه، ولا يتبع أحدًا في مخالفة الله ورسوله)."الفتاوى" (20/220-226) .