فائدة: هناك شبهة يوردها بعض متعصبة المقلدة؛ وهي أنهم إذا وجدوا من خالف متبوعهم في مسألة ما لمرجح، قالوا: هل أنت أعلم أم العالم الفلاني؟!.
وقد أجاب عن ذلك شيخ الإسلام - رحمه الله - فقال: (وإذا قيل لهذا المستهدي المسترشد: أنت أعلم أم الإمام الفلاني؟ كانت هذه معارضة فاسدة؛ لأن الإمام الفلاني قد خالفه في هذه المسألة من هو نظيره من الأئمة، ولست أعلم من هذا ولا هذا، ولكن نسبة هؤلاء إلى الأئمة كنسبة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي ومعاذ ونحوهم إلى الأئمة وغيرهم، فكما أن هؤلاء الصحابة بعضهم لبعض أكفاء في موارد النِزاع؛ وإذا تنازعوا في شيء ردوا ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول وإن كان بعضهم قد يكون اعلم في مواضع أُخر: فكذلك موارد النزاع بين الأئمة، وقد ترك الناس قول عمر وابن مسعود في مسألة تيمم الجنب، وأخذوا بقول من هو دونهما كأبي موسى الأشعري وغيره لما احتج بالكتاب والسنة [1] ،
(1) 13) جاء في البخاري: كتاب التيمم، باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض، أو الموت، أو خاف العطش تيمم. ح (346) . ومسلم كتاب الحيض: باب التيمم. ح (368)
قال شقيق وهو ابن سلمة: كنت جالسًا مع عبد الله، وأبي موسى، فقال أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن أرأيت لو أن رجلًا أجنب فلم يجد الماء شهرًا. كيف يصنع بالصلاة؟ فقال عبد الله: لا يتيم وإن لم يجد الماء شهرًا، فقال أبو موسى: فكيف بهذه الآية في سورة المائدة: { فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيدًا طيبًا } (المائدة: 6) ، فقال عبد الله: لو رُخِّص لهم في هذه الآية، لأوشك إذا برد عليهم الماء، أن يتيمموا بالصعيد، فقال أبو موسى لعبد الله: ألم تسمع قول عمار: بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حاجة، فأجنبت فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد، كما تَمرَّغ الدابةُ، ثم أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له، فقال: إنما كان يكفيك أن تقول بيدك هكذا، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه، ووجهه، فقال عبد الله: أولم تر عمر لم يقنع بقول عمار؟ وهذا لفظ مسلم.