أمثال هذه النصوص أغرت ابن مضاء رحمه الله بأن يتهم سيبويه بأنه يرى أن العوامل مؤثرات حقيقية في المعمولات تحدث فيها النصب و الرفع و الجر و الجزم، استمع إليه يقول منكرا على النحاة:"فمن ذلك ادعاؤهم أن النصب و الخفض و الجزم لا يكون إلا بعامل لفظي، وأن الرفع منها يكون بعامل لظفي وبعامل معنوي. وعبروا عن ذلك بعبارات توهم أن قولنا: (ضرب زيد عمرا) أن الرفع الذي في زيد و النصب الذي في عمرو إنما أحدثه (ضرب) ؛ ألا ترى أن سيبويه ـ رحمه الله ـ قال في صدر كتابه: (( وإنما ذكرت ثمانيةَ مجارٍ، لأفرِّقَ بين ما يدخلُهُ ضربٌ من هذه الأربعة لما يحدثُه فيه العامل، وليس شيء منها إلا وهو يزول عنه، وبين ما يبنى عليه الحرف بناءً لا يزول عنه، لغير شيء أحدث ذلك فيه ) )فظاهر هذا أن العامل أحدث الإعراب وذلك بين الفساد" [1] .
وهذا الذي زعمه ابن مضاء ـ رحمه الله ـ غير دقيق ألبتة، فإن سيبويه قال:"ما يدخله ضرب من هذه الأربعة لما يحدثه فيه العامل"ولم يقل إن العامل يحدث شيئا من هذه الضروب الأربعة، ومعنى كلامه ـ رحمه الله ـ أنّ العامل لا يحدث نصبا ولارفعا ولا جرا ولا جزما، وإنما يحدث (معنى تركيبيا) تدل عليه هذه الضروب الأربعة. قال الصفار في شرحه على الكتاب:"معناه: للمعنى الذي يحدث فيه العامل، فكأن الإعراب إنما يدخل للمعنى الذي يحدثه العامل، وهو الفاعلية و المفعولية و الإضافة" [2] .
تبين لنا إذن من نص سيبويه هذا أنه بريء من القول بأن العامل يحدث الإعراب، وهو بذلك أشد براءة من القول بأن العامل يحدث العلامة الإعرابية.
وغاية ما يدل عليه نصه هذا أن العامل يحدث (المعنى التركيبي الذي يدل عليه الإعراب) .
ولكن هل كان سيبويه يقصد أن العامل يحدث بنفسه على وجه الحقيقة هذا المعنى التركيبي من الفاعلية أو المفعولية أو الإضافة؟
(1) الرد على النحاة ص: 69، وانظر نص سيبويه في الكتاب 1/ 13.
(2) شرح كتاب سيبويه للصفار 1/ 254.