فالأحوال مواهب ، والمقامات مكاسب ، والأحوال تأتى من الجود ، والمقامات تحصل ببذل المجهود (143) .
وعلى ذلك فالمقام ثابت ومستقر بخلاف الحال فإنه متغير ومتحول وزائل وقد يتصف المريد به في وقت دون آخر فإذا تكرر حدوثه للمريد فقد يستقر ويصبح مقامًا.
ومن أمثلة الحال: المحبة والشوق والأنس والقبض والبسط والبقاء والفناء والمكاشفة والمشاهدة والغيبة والحضور.
ملاحظة: نلاحظ أن الهجويري ذكر الخوف والحزن في المقامات وهي في الحقيقة أحوال لأنها غير متكلفة.
9 -القبض والبسط:
وهما حالتان تردان على العبد ، تقربان من الخوف والرجاء ، أو يسببهما الخوف والرجاء ، بمعنى أن العبد يرتقى من حال الخوف والرجاء إلى حال القبض والبسط.
يقول الجنيد: الخوف من الله يقبضني، و الرجاء منه يبسطني.
و الخوف و الرجاء يتعلقان بأمر مستقبل مكروه أو محبوب ، والقبض و البسط يتعلقان بأمر حاضر في الوقت ويغلب علي قلب العارف من وارد غيبي (144) .
10-التواجد والوجد والوجود:
التواجد استدعاء الوجد بنوع من الاختيار ، وليس لصاحبه كمال الوجد لأنه غير متكلف.
والمواجيد جمع وجد ، والوجد ما يصادف القلب ، ويرد عليه بلا تكلف ولا تصنع ، وقيل هي بروق تلمع ثم تخمد سريعًا والوجود فقدان العبد بمحاق (بزوال) أوصاف البشرية ووجود الحق لأنه لا بقاء للبشرية عند ظهور سلطان الحقيقة (145) ، فالتواجد بداية ، الوجود نهاية ، والوجد واسطة بين البداية والنهاية.
يقول الحسين النورى: أنا منذ عشرين سنة بين الوجد والفقد ، إذا وجدت ربى فقدت قلبي ، وإذا وجدت قلبي فقدت ربى.
وفى هذا المعنى يقول الشاعر:
وجودي أن أغيب عن الوجود ***بما يبدو عليَّ من الشهود
والوجد والتواجد هو نتيجة سماع شيء مثير للوجدان كالقرآن والمدائح والغناء ، فعند السماع يحصل لهم هيجان وثوران ،وتمايل ورقص وحركات بهلوانية حتى يفعل الواحد منهم أفعالًا لا يستطيعها في غير هيجانه (حضوره) .