من غير بقاء تهمة"شك"والمعنى أن تتوالى أنوار التجلي على قلبه من غير أن يتخللها ستر وانقطاع كما لو قدر تتابع البرق واتصاله في الليلة الظلماء فتصبح كضوء النهار فكذلك القلب إذا دام به التجلي فإنه يرى الحق من غير شك. لذا قال النوري: لا يصح للعبد المشاهدة ما دام حيًا.
وقال الجنيد صاحب المحاضرة مربوط بآياته ، و صاحب المكاشفة مبسوط بصفاته ، وصاحب المشاهدة ملقى بذاته، صاحب المحاضرة يهديه عقله ، و صاحب المكاشفة يدنيه علمه وصاحب المشاهدة تمحوه معرفته (151) .
وسئل الشبلى عن المشاهدة فقال: من أين لنا مشاهدة الحق وإن الحق لنا شاهد (152) وقال الجرجانى: المحاضرة حضور القلب مع الحق في الاستفاضة من أسمائه تعالى (153) .
ونستطيع أن نجمل ذلك فنقول المحاضرة حضور القلب نتيجة الفكر والتأمل، والمكاشفة أن تنكشف له الغيوب فتحصل له المعرفة والمعلومات دون تفكر ولا تأمل، المشاهدة أن يشاهد العبد الغيوب عيانًا.
14-الشريعة والحقيقة:
الشريعة أمر بالتزام العبودية ، والحقيقة مشاهدة الربوبية فكل شريعة غير مؤيدة بالحقيقة فغير مقبولة وكل حقيقة غير مقيدة بالشريعة فغير محصولة، فالشريعة جاءت بتكليف الخلق، والحقيقة إنباء عن تعريف الحق، فالشريعة أن تعبده والحقيقة أن تشهده، فالشريعة قيام بما أمر، والحقيقة شهود لما قضى وقدر، وأخفى وأظهر (154) .
ويقول الهجويري: الشريعة بدون حقيقة رياء، والحقيقة بدون شريعة نفاق والشريعة مكاسب والحقيقة مواهب (155) .
يقول أبو على الدقاق:"إياك نعبد"حفظ للشريعة"وإياك نستعين"إقرار بالحقيقة ويذهب البعض إلى أن الشريعة علوم الظاهر المستمدة من الكتاب والسنة (156) وعلم الحقيقة هو علم الباطن وهو العلم اللدنى المستمد من الله تعالى كعلم الخضر عليه السلام إذ قال تعالى: (وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا) (157) . لذا نجد الصوفية عن طريق علم الحقيقة (158) نسخوا الشريعة بغير حق.