الصفحة 40 من 75

هذه الأقوال تدل على ما كان عليه أولئك الشيوخ ومتقدمو الصوفية ولكن الذين جاءوا بعدهم ومتأخروهم أدخلوا أمورًا على التصوف تخالف ما كان عليه أوائلهم.

وحقيقة"التصوف إيمان ثم علم ثم عمل ، وذلك يكون متقدم على علوم الصوفية بالضرورة …… فأما العلم السابق عن العمل فكسبي يأتي من جانب الإنسان وما يبذله في تحصيله من جهد ويقوم على الدليل والبرهان."

أما العلم الحاصل بعده - فهو العلم الوهبي - وهو ما يطلق عليه الصوفية اسم (المعرفة) أو العرفان. الذي تحصل فيه المشاهدة والعيان فيتميز أنه وهبي من لدن الله تعالى" (161) ."

وإلى هذه يشير الإمام أبو حامد الغزالي إلى العلم الكسبي والوهبي فيقول:"أما العلم فهو العلم بالأمور الدنيوية والآخروية والحقائق العقلية …… وهي تتحصل له - أي العلوم الكسبية - بالتجارب والفكر ، والناس في هذا مراتب لا تحصى يتفاوت الخلق فيها بكثرة المعلومات وقلتها وبشرف المعلومات وخستها وبطريق تحصيلها."

ثم يتحدث بعد ذلك عن العلوم الوهبية وهي التي"تحصل لبعض القلوب بإلهام إلهي على سبيل المبادأة والمكاشفة …… وهي درجات …… وأقصى الرتب رتبة النبي صلى الله عليه وسلم الذي تنكشف له كل الحقائق أو أكثرها من غير اكتساب وتكلف ، بكشف إلهي في أسرع وقت (162) . ويقول عبد الحليم محمود: إن المشاهدة الصوفية ليست ثقافة كسبية ولا يتأتى التحدث عن مصادرها الخارجية أيًا كانت هذه المصادر … لأن المعرفة الصوفية استمداد من مصدر النور والهداية (163) ."

من أقوال الصوفية في العلم الوهبي واعتراضهم على العلوم الكسبية قول أبي يزيد البسطامي لعلماء عصره: أخذتم علمكم من علماء الرسوم ميتًا عن ميت وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت.

وقد أرسل ابن عربي رسالة إلى الفخر الرازي صاحب التفسير يقول فيها: اعلم يا أخي وفقنا الله وإياك أن الرجل لا يكتمل عندنا في مقام العلم حتى يكون علمه عن الله عز وجل بلا واسطة من نقل أو شيخ (164) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت