فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 185

وبالتالي ليس هناك ثقافات"نقية"من جهة وأخرى"مختلطة"من جهة أخرى.فكلها ثقافات"خليطة"بدرجات متفاوتة تشكلت من الانقطاعات والاستمرار لأن الاحتكاك الثقافي هو حقيقة عامة.وغالبًا ما يكون هناك انقطاع بين ثقافتين دام التماسّ بينهما أطول من الانقطاع الذي حدث بين حالات منظومة ثقافية واحدة إذا نظرنا إليها عبر مراحل متميزة من تطورها التاريخي.وبتعبير آخر، كما بيّن باستيد، علينا البحث عن الانقطاع الثقافي في الترتيب الزمني أكثر منه في الترتيب المكاني.والاستمرارية الأكيدة لثقافة معينة تتعلق في الأغلب بالإيديولوجيا أكثر من تعلقها بالواقع.وما أن تترسخ هذه الاستمرارية المزعومة حتى يتفجر الانقطاع في الوقائع، حيث في لحظات الانقطاع يكون خطاب الاستمرارية عبارة عن"إيديولوجيا تعويضية" [باستيد، 1970] .

إن التشبث بتمييز الثقافات من خلال اعتبارنا لها كماهيّات منفصلة، قد يكون مفيدًا من الناحية المنهجية وينطوي على قيمة كشفية heuristique أكيدة في تاريخ الاتنولوجيا من أجل التفكر في التنوع الثقافي.أين تبدأ وأين تنتهي هذه الثقافة أو تلك؟إن التساؤل حول هذه المسألة هو تساؤل عن"السلّم"المناسب لدراسة الثقافات ووضعها كما يقول ليفي شتراوس:

..."الثقافة هي كل مجموعة إتنوغرافية، كما يبين التحقيق الميداني، تقدم انزياحات دالة بالنسبة للثقافات الأخرى.وإذا سعينا لتحديد الانزياحات الدالة بين أمريكا الشمالية وأوروبا فسنعالجها كثقافات مختلفة.لكن على فرض أن الاهتمام ينصب على انزياحات دالة لنقل بين باريس ومرسيليا فهذان المجموعان الحضريان من شأنهما أن يكونا وحدتين مستقلتين بشكل مؤقت. [..] ومجموعة الأفراد نفسها، إذا ما نظر إليها في الزمان والمكان، تنشأ في الوقت نفسه عن عدة منظومات ثقافية:منظومة عالمية، منظومة قاريّة، منظومة وطنية، منظومة ريفية، منظومة محلية الخ.وعائلية ومهنية ودينية وسياسية الخ [1958، ص 325] ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت