فهرس الكتاب
هذا التمييز يسمح بفهم أفضل لبعض الظواهر لا سيما تلك المسماة بظواهر"المثاقفة المضادة"كالحركات الميسيانية والأصولية.وعمومًا كل محاولات"العودة إلى الأصول".وقد بيّن التحليل أن الثقافة المضادة لا تنتج إلا حينما تكون عملية النزع الثقافي شديدة العمق بما يكفي لمنع مجرد أية إعادة إبداع للثقافة الأصلية.وغالبًا ما تقترض حركات المثاقفة المضادة، دون وعي منها، نماذجها التنظيمية وحتى منظومات التمثل اللاواعية من ثقافة مسيطرة تزعم، رغم ذلك، أنها تحاربها.المثاقفة المضادة هي دائمًا تقريبًا رد فعل يائس على المثاقفة الشكلية.قد يجهد المرء في سبيل الأفرقة أو"العربنةarabisation) والعودة إلى"الأصالة"الأولية، لكننا بهذا لا نقوم إلا بالحد من آثار المثاقفة المادية.أما المثاقفة المضادة الشكلية فهي مستحيلة.إذ لا يمكن فرضها ولا تنجم عن إرادة واعية.للثقافة المضادة لا تعني العودة إلى الأصول-وهو ما تتمناه- بل هي نمط من بين أنماط أخرى من البناء الثقافي الجديد، وهي لا تنتج القديم بل الجديد."
وبالتالي فقد قادت الدراسات المتعلقة بوقائع المثاقفة إلى إعادة النظر في مفهوم الثقافة وأصبحت الثقافة من الآن فصاعدًا مجموعة ديناميكية متماسكة نوعًا ما (لكن ليس تمامًا) ومتجانسة إلى حد معين.العناصر التي تتكون منها ثقافة معينة لا تندمج دائمًا ببعضها تمامًا لأنها ذات مصادر متنوعة في الزمان والمكان.وبعبارة أخرى، هناك"فراغ"في المنظومة مع أنها منظومة بالغة التعقيد.هذا الفراغ هو الفجوة التي تنزلق عبرها حرية الأفراد والجماعات من أجل"إدارة"الثقافة.