فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 185

لا بد إذًا من اللجوء إلى تحليل حربي polemologique للثقافات، لأنها تنبئ عن صراعات وتتطور في حالات التوتر وأحيانًا في حالات العنف.ومع ذلك، فلا بد من الابتعاد في هذا النوع من التحليل، عن التأويلات الاختزالية كتلك التي تفترض أن الأقوى يستطيع دائمًا فرض نظامه الثقافي ببساطة على الأضعف.وطالما أنه لا توجد ثقافة حقيقية سوى تلك التي ينتجها الأفراد أو المجموعات التي تحتل مواقع غير متكافئة في المجال الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، فإن ثقافات مختلف المجموعات تجد نفسها، إلى حد ما، في وضع قوة (أو ضعف) إزاء بعضها بعضا.لكن، حتى الأضعف، لا يجد نفسه دائمًا، أعزلًا تمامًا في اللعبة الثقافية.

الثقافة المهيمنة والثقافة الخاضعة

القول بأنه حتى المجموعات الخاضعة اجتماعيًا ليست مجردة من الموارد الثقافية الخاصة بها، لاسيما من قدرتها على إعادة تأويل الانتاجات الثقافية التي تفرض نفسها عليها إلى حد ما، لا يعني العودة إلى تأكيد أن المجموعات كلها متساوية وأن ثقافاتها متكافئة.

في فضاء اجتماعي معين، هناك دائمًا تراتب ثقافي.ولم يخطئ كارل ماركس ولا ماكس ويبر حينما أكّدا على أن ثقافة الطبقة المهيمنة تبقى كذلك باستمرار.وفي قولهما هذا، فهما لا يزعمان حتمًا، أن ثقافة الطبقة المهيمنة تتمتع بنوع من التفوق الداخلي (الجوهري) أو حتى بقوة انتشار تكتسبها من"جوهرها"الخاص والذي يجعلها تسيطر"بشكل طبيعي"على الثقافات الأخرى.ويعتبر كل من ماركس وويبر أن القوة النسبية التي تتمتع بها الثقافات المختلفة في التنافس القائم بينها يرتبط مباشرة بالقوة الاجتماعية النسبية للجماعات البشرية التي تشكل حاملًا لها.والبحث عن ثقافة"مهيمنة"أو عن ثقافة"خاضعة"ليس إلا من باب المجاز.إذ ما نراه موجودًا في الواقع، هو عبارة عن جماعات اجتماعية بينها علاقات هيمنة وتبعية إزاء بعضها بعضا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت