فهرس الكتاب
مَن هم أولئك المقاولون الجدد الذين يدخلون شكلًا جديدًا من السلوك الاجتماعي والاقتصادي؟ يجيب ماكس ويبر، إنهم بروتستانت طهريون يقومون باستبدال التقشف الديني بتقشف علماني.ولا يمكن فهم روح الرأسمالية إلا بإظهار مصدر إلهامها، أي التقشف البروتستانتي الذي يسبغ عليها شرعيتها بشكل من الأشكال.إن الإصلاح الديني، لا سيما الاتجاه الكالفيني، قد بث الفكرة القائلة: أن"رسالة"المسيحي تتحقق في ممارسته اليومية لمهنته بدلًا من قضاء حياته في الدير.والإنسان يساهم من خلال عمله في إظهار مجد الرب، وليس مجد الممارسات السحرية أو الشعوذات.وليس له غير الخضوع لقدرة الرب والقيام على خدمته من خلال سلوكه التقشفي وحماسته للعمل.في هذا المنظور، يمكن إعادة تفسير النجاح المهني على أنه علامة اختيار إلهي.والفرد المتحرر من وصاية الكنيسة هو فقط من يصبح مسؤولًا أمام الله مسؤولية كاملة.
بالتالي فإن ويبر يلاحظ وجود تطابق بين أخلاق الإصلاح البروتستانتي وبين روح الرأسمالية الحديثة.لقد جرت الأمور كما لو أن النزعة الطهرية (البيوريتانية) الكالفينية قد أوجدت بيئة ثقافية ملائمة لتطور الرأسمالية عبر نشر قيم تقشفية مٌعَلمَنَة.وهذا ما يفسر أن من يشكل مبدئيا، طبقة المقاولين الجدد هم أفراد موسومون بطابع البروتستانتية.الأخلاقية البروتستانتية تسمح بفهم المنطق المشترك للتصرفات التي قد تبدو متناقضة:كرغبة الرأسمالي في تكديس الثروات ورفضه التمتع بها.
وعبر"عملية تربوية طويلة ودؤوبة" (المرجع السابق ص63) أثرت الأخلاق البروتستانتية في مجموعات اجتماعية أخرى، بمن فيها العمال، بل وانتشرت في المجتمع كله.وترافق هذا الانتشار ب"عقلنة"الحياة الاجتماعية والنشاط الاقتصادي الخاضعين إلى تنظيمِ أصبح شيئًا فشيئًا منهجيًا، أي علميًا يحاول تجاوز النظام العاطفي والانفعالي.