فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 185

الاعتياد أيضًا هو عملية دمج، بالمعنى الدقيق، للذاكرة الجمعية.والاستعدادات المستدامة التي تميز الاعتياد هي أيضًا استعدادات جسدية تشكل العادة الجسدية".وهذه الاستعدادات تكوّن علاقة مع الجسد الذي يمنح أسلوبًا خاصًا لكل جماعة.لكن هناك ما هو أكثر من هذا، كما يقول بورديو.العادة الجسدية هي أكثر من مجرد أسلوب خاص، إنها مفهوم للعالم الاجتماعي"المندمج"، إنها أخلاق"مدمجة".فكل إنسان، من خلال حركاته ووضعياته، ودون وعي منه، ودون أن يتنبه الآخرون بالضرورة إلى أنه يفصح عن العادات العميقة التي تسكنه.وبالتالي تصبح العادات الجسدية، والخصائص الاجتماعية"طبيعية"لأن ما يظهر وما يعاش على أنه"طبيعي"إنما ينجم في الواقع، عن"الاعتياد"، وتطبيع الاجتماعي هذا هو أحد الآليات التي تؤمّن استمرارية الاعتياد بشكل أكثر فعالية."

إن تجانس عادات المجموعة أو الطبقة التي تكفل تجانس الأذواق هو ما يجعل التفضيلات والممارسات محسوسة ومرئية، وأنها حتمية وتحصيل حاصل (1980، ص 97) .ومع هذا فإن الاعتراف بتجانس العادات لدى طبقة معينة لا يقتضي نفي تنوع"الأساليب الشخصية"، ومع ذلك ينبغي فهم هذه الفروق الفردية، كما يقول بورديو، على أنها"فروق بنيوية"تتضح من خلالها فرادة الموقع في داخل الطبقة أو المسار (المرجع السابق، ص 101) .

إن مفهوم"المسار الاجتماعي"يسمح لبورديو بالإفلات من المفهوم الثبوتي للاعتياد.وهو لا يعتبر الاعتياد منظومة جامدة من الاستعدادات التي من شأنها تحديد تصورات الأفراد وتصرفاتهم بشكل ميكانيكي، كما تؤمّن التكاثر الاجتماعي فحسب.إن الشروط الاجتماعية للحظة الراهنة لا تفسر تمامًا الاعتياد القابل للتغير.والمسار الاجتماعي للجماعة أو للفرد، أي تجربة المرونة (الحركية) الاجتماعية (ارتقاء أو هبوط أو ثبات) الذي راكمته أجيال عدة، يجب أن يؤخذ بالاعتبار من أجل تحليل تنوع العادات.

الفصل السادس

الثقافة والهوية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت