فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 185

في الوقت الذي يشهد فيه مفهوم الثقافة، منذ فترة، نجاحًا خارج دائرة العلوم الاجتماعية الضيقة، نجد مفهومًا آخر هو مفهوم"الهوية"-وهو غالبا ما يرتبط بالأول- يشيع استخدامه تدريجيًا لدرجة جعلت بعض المحللين يرون فيه أثرًا من آثار الموضة [ غاليسو، 1987] .لكن ما الذي تعنيه"موضة"الهويات هذه، وهي الغريبة في جزء كبير منها عن تطور البحث العلمي لاسيما ذلك المعني بالهوية؟.

غالبًا ما تحيلنا التساؤلات الكبرى المثارة اليوم حول الهوية إلى مسألة الثقافة.فنحن نرمي إلى رؤية الأشياء الثقافية حيثما نظرنا، كما نريد أن يحظى كل منا بهويته.وندين الأزمات الثقافية كما ندين أزمات الهوية.فهل يعني هذا أنه علينا وضع تطور هذه الإشكالية في إطار الضعف الذي يشهده نموذج الدولة-الأمة؟وفي مدى الدمج السياسي الذي يتجاوز الحدود الوطنية وفي شكل معين من أشكال عولمة الاقتصاد؟وبشكل أكثر دقة نقول: إن الشكل الهوياتي الحديث هو امتداد لظاهرة تمجيد الاختلاف التي انبثقت في السبعينات كنتيجة للتحركات الإيديولوجية المتنوعة، أي المتناقضة، سواء كالت المديح للمجتمع المتعدد الثقافات من جهة أو نتيجة لمقولة"ليبق كل منا في بيته محافظًا على هويته"من جانب آخر؟

ومع ذلك، حتى لو ارتبط مفهوما الثقافة والهوية الثقافية بمصير واحد، فليس من السهل خلط أحدهما بالآخر.إذ يمكن للثقافة أن تعمل بدون وعي للهوية، بينما يمكن لاستراتيجيات الهوية أن تعالج الثقافة أو تغيرها، وبالتالي لا يبقى هناك شيء مشترك مع ما كانت عليه في السابق.تنشأ الثقافة، في جزء كبير منها، عن عملية لاواعية.أما الهوية فتحيل إلى معيار انتماء يجب أن يكون واعيًا، لأنها، أي الهوية تقوم على تعارضات رمزية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت