فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 185

هؤلاء المثقفين المنحدرين غالبًا من الأوساط الجامعية، يأخذون على الأمراء الذين يحكمون مختلف الدول الألمانية إهمالهم للفن والأدب وتكريس جلّ وقتهم لاحتفالات البلاط باعتبارهم يقلدون الأساليب"المتحضرة"للبلاط الفرنسي.كلمتان ستتيحان لهم تحديد هذا التقابل بين منظومتي القيم المذكورتين:كل ما ينشأ عن الأصالة ويساهم في الإغناء الفكري والروحي سيُعتَبرُ ناجمًا عن الثقافة، أما المظاهر البراقة والخِّفة والتهذيب السطحي فينتمي إلى الحضارة.إذًا فالثقافة تتعارض مع الحضارة كما يتعارض العمق مع السطحية.وتعتبر الطبقة المثقفة البورجوازية الألمانية طبقة نبلاء البلاط متحضرة لكنها تفتقر إلى الثقافة.وكما أن الرعاع يفتقرون إلى الثقافة أيضًا فإن الطبقة المثقفة تعتبر نفسها مُكلَّفة، نوعًا ما، بمهمة تطوير الثقافة الألمانية وتلميعها.

مع هذا الوعي انتقلت النقيضة antithese"ثقافة"-"حضارة"شيئًا فشيئًا من التعارض الاجتماعي إلى التعارض الوطني أو القومي [ إلياس 1939] وسنرى أن عدة وقائع متلاقية ستتيح هذا الانتقال.فمن جهة، تعززت القناعة بالروابط الوثيقة التي توحد الأخلاق المتحضرة للبلاط الألماني مع حياة البلاط الفرنسي، وهو ما ستتم إدانته باعتباره شكلًا من أشكال الاغتراب.ومن جهة أخرى برزت تدريجيًا إرادة رد الاعتبار للغة الألمانية (لم تكن الطليعة المثقفة تعبر عن نفسها إلا بهذه اللغة) وتحديد ما هو ألماني، نوعيًا، في مجال العقل.وبما أن الوحدة القومية الألمانية لم تتحقق ولا تبدو قابلة للتحقق على الصعيد السياسي، فقد قامت الطبقة المثقفة التي صارت تعي رسالتها تدريجيًا، بالبحث عن هذه الوحدة في الجانب الثقافي.

إن الصعود المتنامي لهذه الطبقة الاجتماعية التي كانت في ما مضى عديمة التأثير والذي أكسبها الاعتراف بها الناطق الرسمي باسم الوعي القومي الألماني وغير المعطيات كما غير سُلّم النقيضة"ثقافة"-"حضارة."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت