غداة اندلاع الثورة الفرنسية فقدَ مصطلح"حضارة"في ألمانيا دلالته الإيحائية الأرستقراطية الألمانية وأصبح يحيل إلى فرنسا والقوى الغربية بشكل واسع.
وبالطريقة نفسها تحولت كلمة"ثقافة"من كونها علامة مميزة للبورجوازية الألمانية المثقفة في القرن الثامن عشر إلى علامة مميزة للأمة الألمانية كلها في القرن التاسع عشر.
وأصبحت السمات المميزة للطبقة المثقفة التي كانت تستعرض ثقافتها كالصدق والعمق والروحانية، سمات نوعية ألمانية.
ويرى إلياس أن خلف هذا التطور تكمن آلية نفسية واحدة ترتبط بشعور بالدونية.الفكرة الألمانية عن الثقافة أوجدتها طبقة وسطى غير واثقة من نفسها.وتشعر أنها مستبعدة، نوعًا ما من السلطة، ومن مراتب الشرف فبحثت لنفسها عن مشروعية اجتماعية أخرى.وبعد أن انتشرت هذه الفكرة في"الأمة"الألمانية كلها أصبحت قليلة الوضوح وصارت تعبر عن وعي وطني يتساءل عن الطابع النوعي للشعب الألماني الذي لم يتوصل بعد إلى تحقيق وحدته السياسية.وفي مقابل الدول الأخرى المجاورة مثل فرنسا وإنجلترا على وجه الخصوص، سعت"الأمة"الألمانية، التي أضعفتها الانقسامات السياسية وفجرتها إلى عدة إمارات، لتأكيد وجودها عبر الرفع من شأن ثقافتها.
لذا فإن المفهوم الألماني للثقافة kultur سعى منذ القرن التاسع عشر إلى تحديد الاختلافات القومية وتعزيزها.وبالتالي فإن هذا المفهوم يعتبر مفهومًا ذاتيًا particulariste يتعارض مع الفهوم الفرنسي العالمي ل"الحضارة"؛وهو فهوم يعبر عن أمة حققت وحدتها القومية منذ زمن بعيد.