فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 185

منذ عام 1774 انحاز يوهان غوتفريد هردر، لوحده نسبيًا، عبر نص سجالي أساسي وباسم"العبقرية القومية"لكل شعب انحاز إلى مفهوم تنوع الثقافات وغنى البشرية، ووقف ضد العالمية التوحيدية uniformisant التي نادى بها عصر الأنوار وحكم عليها بأنها تؤدي إلى الإفقار.كان هردر يريد أن يعيد لكل شعب كبرياءه بدءًا بالشعب الألماني وذلك في مقابل ما يعتبره إمبريالية ثقافية تنادي بها فلسفة عصر الأنوار الفرنسية.الواقع أن هردر يعتبر أن لكل شعبِ قَدَرًا خاصًا به عليه مجابهته عبر ثقافته الخاصة به، لأن كل ثقافة تعبّر، بطريقتها الخاصة عن وجه من أوجه الإنسانية.ومفهوم هردر للثقافة التي تتميز بالانقطاع الذي لا يستبعد تواصلًا ممكنًا بين الشعوب، يقوم على فلسفة أخرى للتاريخ (عنوان كتابه الصادر عام 1774) تختلف عن فلسفة عصر الأنوار.ومن هنا يمكن اعتبار هردر رائد المفهوم النسبي للثقافة:"هردر هو الذي فتح أعيننا على الثقافات" [ديمون، 1986، ص 134] .

بعد هزيمة الألمان في معركة يينا عام 1806 على يد قوات نابليون، شهد الوعي الألماني انبعاث النزعة القومية تُرجمت من خلال التشديد على التأويل الذاتي للثقافة الألمانية.واتسعت الجهود الرامية إلى تعريف"الطابع الألماني"، ولم يتم التأكيد على مفهوم أصالة الثقافة الألمانية فحسب بل على تفوقها أيضًا.واستنتج بعض الأيديولوجيين من هذا التأكيد أن الشعب الألماني يضطلع برسالة نوعية إزاء الإنسانية.

وتطورت الفكرة الألمانية حول الثقافة قليلًا في القرن التاسع عشر تحت وطأة النزعة القومية، وازداد ارتباطها بمفهوم"الأمة".الثقافة تنشأ عن روح الشعب وعن عبقريته.والأمة الثقافية تسبق الأمة السياسية وتستدعيها.وتبدو الثقافة كمجموعة من الفتوحات الفنية والفكرية والأخلاقية التي تشكل ميراث أمة ما وتعتبر هذا الميراث متحققًا بشكل نهائي وهو يؤسس وحدتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت