فهرس الكتاب
وقد مارست فرضيات دوركهايم حول الوعي الجماعي تأثيرًا أكيدًا على نظرية الثقافة باعتبارها"هيئة عليا"superorganisme سبق وأن نادى بها ألفرد كروبر A.Kroeber عام 1917. ويمكننا تقريب مفهوم الوعي الجماعي (الذي يعزوه دوركهايم إلى الخصائص الروحية) من مفهوميّ patterns الثقافي ومفهوم"الشخصية الأساسية"الذين تحدث عنهما الأنثروبولوجيون الثقافويون الأميركان..دوركهايم نفسه كان يستخدم أحيانًا عبارة"الشخصية الجماعية"بمعنى قريب جدًا من معنى"الوعي الجماعي".
حتى وإن كان مفهوم الثقافة غائبًا من الناحية العملية عن أنثروبولوجيا دوركهايم فذلك لم يمنعه من اقتراح تأويلات للظواهر التي غالبًا ما أشارت إليها العلوم الاجتماعية على أنها ظواهر ثقافية.
المقاربة التفاضلية
مع أن أعمال لوسيان ليفي-بروهل (1857-1939) لم تشهد الصدى والتأثير نفسه الذي شهدته أعمال دوركهايم لكننا نلاحظ أن الإتنولوجيا الفرنسية، في بداياتها وعبر اثنين من مؤسسيها كانت تتردد بين مفهومين للثقافة: الأول واحدي unitaire والثاني تفاضلي differentielle وقد بلغت المواجهة بين هذين المفهومين عبر مناقشات علمية أشدها ، الأمر الذي ساهم كثيرًا في تطوير الإتنولوجيا الفرنسية.ويحق لنا اعتبار ليفي-بروهل أحد مؤسسي فروع الإتنولوجيا في فرنسا. والواقع أنه من أوائل الباحثين الفرنسيين الذين كرّسوا قسمًا كبيرًا من أعمالهم لدراسة الثقافات البدائية.أما على الصعيد المؤسسي فنحن ندين له بتأسيس الإتنولوجيا في جامعة باريس عام 1929 التي أهّلت الجيل الأول من الإتنولوجيين الميدانيين تحت إشراف مارسيل ماوس M.Mauss وبول ريفيه P.Rivet الذين أوكل إليهما الأمانة العامة للمعهد المذكور.