فهرس الكتاب
وفي المقابل، لم يقبل دوركهايم تمييز ليفي-بروهل بين"عقلية بدائية"و"عقلية متحضرة"، لكن النقد الذي وجهه عام 1912، في ملخصه لأول كتاب نشره هذا الأخير حول تلك المسألة كان يتسم بتوجه تطوري تقليصي.
ومهما بلغ الخلاف بين هذين الشكلين للعقلية البشرية فهما لم ينبعا من مصادر مختلفة، إنما نشأ أحدهما عن الآخر وهما تعبير عن فتؤتين من التطور نفسه.
هذه الخلافات بين ليفي-بروهل ونظرائه لم تكن سوى تعبير عن جدلٍ علمي شديد الحيوية حول مسألة الغيرية والهوية الثقافية.وساهم ليفي-بروهل بنصيب لا يمكن إنكاره في هذا النقاش.هنا يمكننا التساؤل عن الأسباب الكامنة وراء سوء فهم هذه المساهمة، ثم تشويهها ورفضها في نهاية الأمر ثم جاء النسيان فطوى جزءاَ كبيرًا منها.
أجاب دومينيك ميرلييه D.Merllie (1993) على هذا التساؤل واقترح قراءة جديدة لهذا المؤلف بعيدًا عن الأحكام المسبقة.وخلافًا لما عُرف عن أعماله فقد تبين أنها لم تكن تنبع من مركزية عرقية ethnocentriques .وقد أُلحقت بها هذه الصفة للتقليل من أهميتها، بينما كان جهد بروهل منصبًّا على محاولة التفكير حول الاختلاف انطلاقًا من مقولات مكتملة.لكن هذه المحاولة تناقضت مع مفهوم العالمية"المجردة"لعصر الأنوار ومع مبادئه الأخلاقية التي كانت تشكل إطارًا مرجعيًا لأغلب المثقفين الفرنسيين في بداية القرن.
إن ما يسمى بأطروحة ليفي-بروهل قدمها هو نفسه على أنها"فرضية عمل"كما يقول ميرلييه.ولم يمنعه سعيه لتوضيح اختلاف العقليات من تأكيد وحدة النفسانية psychismeالبشرية، وكان يرى أن وحدة البشرية أكثر أهمية من التنوع، ومفهوم"العقلية البدائية" ("أي عقلية ما قبل المنطق") لم تكن سوى أداة للتفكير في الاختلاف.وقد يقال كل شيء عن بحثه الذي كان يستدعي صراحة القيام باستطلاعات ميدانية عدا كونه بحثًا دوغمائيًا.