إن الدراسة الدقيقة لتلاقي الثقافات تبين أن هذا التلاقي يتحقق وفق صيغ شديدة التنوّع ويفضي إلى نتائج بالغة التضاد تبعًا لحالات التماس.وسمحت الأبحاث المهتمة ب"المثاقفة"بتجاوز عدد من الأفكار المسبقة المتعلقة بخصائص الثقافة وتجديد مفهومها بشكل عميق.المثاقفة ليست ظاهرة عرضية ذات >آثار تخريبية، بل إحدى الصيغ العادية للتطور الثقافي لكل مجتمع
[ الفصل الرابع]
وتلاقي الثقافات لا ينشأ عن المجتمعات الشاملة globalesفقط، بل أيضًا عن جماعات اجتماعية تنتمي إلى المجتمع المركب نفسه.وبما أن هذه الجماعات متراتبة في ما بينها، نلاحظ أن التراتبات الاجتماعية تحدد التراتبات الثقافية، وهذا لا يعني أن ثقافة الجماعة المهيمنة تحدد طابع الجماعات المهَيمن عليها اجتماعيًا.فثقافات الطبقات الشعبية لا تخلو من الاستقلالية ولا من القدرة على المقاومة [الفصل الخامس] .
إن الدفاع عن الاستقلالية الثقافية يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالمحافظة على الهوية الجماعية ."الثقافة"و"الهوية"مفهومان يحيلان إلى الواقع نفسه منظورا إليه من زاويتين مختلفتين.والمفهوم الذاتيe essentialiste للهوية لم يعد يقف في وجه الفكرة القائلة بأن الجماعة لا يمكن فهمها إلا بدراسة علاقاتها بالجماعات المجاورة لها [الفصل السادس] .
إن التحليل الثقافي يحتفظ اليوم بكل ما يملك من ملاءمة، ويبرهن على أنه قادر على تأسيس المنطق الرمزي المعمول به في العالم المعاصر، شريطة عدم إهمال دروس العلوم الاجتماعية.ولا يكفي أن نستعير من هذه العلوم كلمة"ثقافة"لكي نفرض قراءة للواقع، غالبًا ما تخفي محاولة فرض رمزي.وسواء أكنا نتحدث عن المجال السياسي أو الديني في المؤسسات أو بخصوص المهاجرين، فإن الثقافة لا تُملى بقرار، ولا يتم التعامل معها كأداة ثانوية لأنها تنجم عن عمليات شديدة التعقيد غالبًا ما تكون غير واعية [الفصل السابع] .