لذا، إذا أردنا إدراك المعنى الحالي لمفهوم الثقافة واستخدامه في العلوم الاجتماعية، لا بدّ من العودة إلى أصله الاجتماعي، وإلى نسبه genealogie، بمعنى آخر، نريد النظر في كيفية تشكل الكلمة ثم المفهوم العلمي المرتبط بها.وبالتالي البحث عن أصله وعن تطوره الدلالي.ونحن هنا لسنا بصدد تحليل لغوي بل بصدد توضيح الروابط القائمة بين تاريخ كلمة"ثقافة"وبين تاريخ الأفكار.
إن تطور أية كلمة يستند إلى عدة عوامل ليست ذات طابع لغوي، وميراثها اللغوي يخلق نوعًا من الارتباط بالماضي في استخداماته المعاصرة.
من مسيرة كلمة"ثقافة"لا نحتفظ إلا بما يوضح تكون المفهوم بالشكل الذي تستخدمه به العلوم الاجتماعية.كانت الكلمة، وستبقى دائمًا، مطبقة على علاقات شديدة التنوع (ثقافة الأرض، ثقافة جرثومية الخ) وبمعانٍ شديدة الاختلاف لدرجة أنه من المستحيل علينا الإحاطة بتاريخها كاملًا.
تطور كلمة (( ثقافة ) )في اللغة الفرنسية منذ القرون الوسطى حتى القرن التاسع عشر
من المشروع أن نتوقف بشكل خاص، على المثال الفرنسي في استخدامه لكلمة"ثقافة"إذ يبدو واضحًا أن التطور الدلالي النهائي للكلمة -التي ستتيح لاحقًا اختراع المفهوم - قد برز في اللغة الفرنسية منذ عصر الأنوار قبل انتشارها عن طريق الاقتراض اللغوي في اللغات الأخرى المجاورة (كالإنجليزية والألمانية) .
إذا استطعنا اعتبار فترة تشَكُّل المعنى الحديث للكلمة تعود إلى عام 1700 إلا أن كلمة"ثقافة"هي كلمة قديمة في المفردات الفرنسية.وهي كلمة تعود في أصلها إلى اللغة اللاتينية cultura التي تعني رعاية الحقول أو قطعان الماشية.ثم ظهرت في القرن الثامن عشر لتدل على جزء من الأرض المزروعة ( حول هذه النقطة وغيرها، أنظر بينيتون [ 1975] ) .