فهرس الكتاب
وتساءل علماء الاجتماع عن موضوع الاستمرارية عبر الأجيال وعن الثقافات أو الثقافات التحتية الخاصة بمختلف المجموعات الاجتماعية.وللإجابة على هذا السؤال لجأ بعضهم إلى مفهوم"الاستشراك"socialisation بما هو عملية دمج الفرد في مجتمع معين أو في جماعة خاصة عبر استبطان أشكال من التفكير والشعور والتصرف، أي نماذج ثقافية خاصة بذلك المجتمع أو تلك المجموعة.والأبحاث التي غالبًا ما تجرى من منظور مقارن (بين أمم، بين طبقات اجتماعية، بين جنسين، الخ) تدور حول مختلف أنماط التعلّم التي يخضع لها الفرد والتي من خلالها يتم ذلك الاستبطان، وكذلك حول الآثار التي تتركها على السلوك.
على الرغم من أن استخدام كلمة استشراك يعدّ حديثًا نسبيًا- لم يدرج استخدامه إلا في نهاية الثلاثينات-فهو يحيل إلى سؤال أساسي يطرحه علم الاجتماع:كيف يصبح الفرد عضوًا في مجتمعه وكيف تتم عملية مماهاته في ذلك المجتمع؟ويعدّ هذا السؤال مركزيًا في أعمال دوركهايم وإن لم يستخدم هذه الكلمة.يرى دوركهايم أن المجتمع ينقل إلى الأفراد الذين يتكون منهم، عبر التربية، مجموع المعايير الاجتماعية والثقافية التي تؤمن التضامن بين أعضاء هذا المجتمع وأنهم مجبرون، نوعًا ما، على أن يجعلوا هذا المجتمع مجتمعهم.
لقد جهد عالم الاجتماع الأميركي تالكوت بارسونز Talcott Parsons للتوفيق بين تحليلات دوركهايم وفرويد.ويرى أن العائلة، وهي أول من يقوم بعملية الاستشراك، تلعب في هذه العملية دورًا كبيرًا.لكن علينا ألا نستهين بدور المدرسة أو مجموعة الأقران (رفاق الصف واللعب) ويظن أن الاستشراك يكتمل في سن المراهقة، فإما أن ينجح هذا الاستشراك ويتكيف الفرد مع المجتمع بشكل جيد أو يفشل فينزلق الفرد ربما نحو الانحراف.وبمقدار ما يتدخل الامتثال لمعايير المجتمع وقيمه بشكل مبكر في وجود الفرد بمقدار ما يتجه إلى تكيّف ملائم ل"المنظومة الاجتماعية" [بارسونز، 1954] .