فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 185

وشيئًا فشيئًا، تحررت كلمة"ثقافة"من مُضافاتها وانتهى بها الأمر إلى أن استُعملت للدلالة على"تكوين"و"تربية"العقل أو النفس. وعبر حركة معاكسة لتلك التي لاحظناها سابقًا، تمّ الانتقال من كلمة"ثقافة"باعتبارها فعلًا (فعل أو عملية التعليم"instruire إلى اعتبارها حالة(حالة العقل المثقف عن طريق التعلٌّم، حالة الفرد"الذي يملك ثقافة") .وتكرّس هذا الاستخدام في نهاية القرن الثامن عشر من قبل معجم الأكاديمية (طبعة 1798) الذي تحدث عن"عقل طبيعي بدون ثقافة"مشيرًا بذلك إلى التعارض المفهوميّ بين كلمتي"طبيعة"و"ثقافة".وأصبح هذا التعارض أساسيًا عند فلاسفة عصر الأنوار الذين نظروا إلى الثقافة على أنها سمة مميزة للنوع البشري، واعتبروا الثقافة محصّلة المعارف التي تُراكمها البشرية عبر تاريخها وتغيرها باعتبارها كليّة."

وفي القرن الثامن عشر لم تستخدم كلمة"ثقافة"إلا بالمفرد، وهو ما يعكس عالمية النزعة الإنسانية للفلاسفة من حيث أن الثقافة أمر خاص بالإنسان دون أن يعني هذا أي تمييز بين الشعوب أو الطبقات.وبالتالي فقد ترسّخت كلمة"ثقافة"في إيديولوجية عصر الأنوار واقترنت بأفكار التقدم والتطور والتربية والعقل التي كانت تحتل مكان الصدارة في تلك الفترة.صحيح أن حركة الأنوار نشأت في إنجلترا إلا أن لغتها ومفرداتها قد نشأت في فرنسا، وسرعان ما اتسع صداها في أرجاء أوروبا الغربية كلها، لا سيما في الحواضر الكبرى مثل أمستردام وبرلين وميلان ومدريد ولشبونة وحتى سان بطرسبرغ.واكتسبت فكرة الثقافة طابع التفاؤل السائد في تلك الفترة، ذلك التفاؤل القائم على الثقة التي يمكن للكائن البشري أن يرقى بها إلى الكمال perfectible .فالتقدم ينشأ دائما عن التعلّم أي عن الثقافة الأكثر اتساعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت