فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 185

ونسوق هنا مثالًا واحدًا.إن دخول المال مع الاستعمار إلى المجتمعات التقليدية الأفريقية لم يؤد إلى تغيير المنظومات الاقتصادية القائمة على التبادلية (عطاء/عطاء مقابل) فحسب، وإعادة التوزيع. وتسبب هذا الاستعمار ببلبلة أصابت جوانب أخرى لا سيما في منظومة المبادلات الزواجية. فللحصول على زوجة تقول القاعدة المعتادة أنه ينبغي تسليم عائلة الخطيبة تعويضًا زواجيًا (بعض رؤوس الماشية مثلًا في بعض المجتمعات) وذلك وفقًا للمنطق القاضي بتقديم عطاء مقابل العطاء. لأن المال حينما يسيطر على العطاء المقابل العيني فهو يغير بنية التبادل بشكل عميق: جمع المبلغ اللازم لدفع"ثمن الخطيبة"لم يعد يتطلب تعاون جماعة الأقارب كلها (خلافًا لما يحدث عند تشكيل القطيع) وبالتالي أصبح الزواج قضية فردية واتخذ، بالتدريج، شكل مساومة اقتصادية فقط وليس مساومة كانت اجتماعية بالأساس (تقليديًا، كانت أولى غايات التبادل الزواجي هي التحالف بين مجموعتين من الأقرباء) .في بعض الحالات فإن الزوجات اللواتي يقمن بجمع المال بأنفسهن من خلال ممارستهن التجارة أو العمل اليدوي، يمكنهن ترك أزواجهن بيسر أكبر لأنهن أصبحن قادرات على رد التعويض الزواجي.وبالتالي ازدادت حالات الانفصال (بينما كانت إحدى وظائف التعويض الزواجي التقليدي هي تأمين استقرار الزواج) .وحينما وجد المبشرون أنفسهم إزاء ما كانوا يعتبرونه إساءة مزدوجة لمبادئ الأخلاق ("شراء الزوجة"و"عدم الاستقرار الزوجي") حاولوا إلغاء عرف التعويض الزواجي.لكن النتيجة خالفت توقعاتهم: فمن جهة، كان الأزواج يعتبرون أنفسهم شبه متزوجين، ومن جهة ثانية، فقد سهل على الزوجات المتحررات من واجب إعادة التعويض، الحصول على الطلاق وتغيير الشريك باستمرار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت