فمن ذلك:"إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها, وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون ."
وفي النجوم:"والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ."
وفي تعقل القلوب:"أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها (الحج/ 46) ."
وفي البرق والماء وحياة الأرض:"ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها, إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ."
واستعملت هذه الصيغة في تطور الإنسان:"ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون"
وبصيغة"نعقل"في قوله تعالى:"وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير".
وبصيغة"يعقل"في قوله تعالى:"وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ."
أما صيغة"عقل"فقد وردت مرة واحدة في القرآن الكريم, وهي في قوله تعالى: يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه , وكان المحرف هاهنا لا يستحق أن يجدد فيه التعقل والتفكير.
وهذا كله له دلالته للفطن الذي يتذوق لغة القرآن وأساليبه الجميلة في خطابه لعقل الإنسان ووجدانه, ليتجدد تأمله في كل حين يمكنه ذلك.
أفيمكن بعد هذا كله أن يزعم زاعم أو يدعي مدع أن العلم في القرآن لم يستعمل إلا في العلم الديني أو الشرعي أو الوحي أو عالم الغيب, أو أنه لا حرية للمسلم في أن يجيل فكره في كل شيء, ويبحث في كل أمر من أمور الدنيا?.
أو لم يكن هذا الخطاب القرآني هو الذي دفع المسلمين إلى الإبداع في العلوم الدنيوية الطبيعية والرياضية, كما أبدعوا في العلوم الدينية واللغوية, وأقبلوا على أخذ علوم الأوائل حتى الوثنيين, فضلا عن أهل الكتاب, فهضموها وأبدعوا فيها? ثم نقلها العالم الآخر عنهم, وترجمها من لغتهم إلى لغته اللاتينية وغيرها.