ويذهب إلى أن للمتعلم الحرية في دراسة أي نوع من العلوم رغب فيه: للمتعلم أن لا يدع فنا من فنون العلم, ولا نوعا من أنواعه إلا وينظر فيه نظرا يطلع به على غايته ومقصده وطريقه, ثم إن ساعده العمر وواتته الأسباب طلب التبحر فيه, فإن العلوم كلها متفاوتة مترابطة بعضها ببعض, فلا ينبغي أن يستهين بشيء من أنواع العلم, بل ينبغي أن يحصل على كل علم, ويعطيه حقه ومرتبته .
وهذه نظرة ذات أفق واسع, ومعاصرة, فالتعاون بين العلوم والترابط هو ما ندعوه يومنا هذا"ما بين التخصصات"أو"بيني ة التخصصات".
بل ينصح الصوفي الذي عادته الرغبة عن العلم أن لا يدع فنا من فنونه, ولا تقف حرية العلم عند حد, ولا نهاية, فبعد أن عد د أصنافا من العلم وترك أخرى, يرى أنه لا حاجة لذكرها, قال: بل أقول: ظهر لنا بالبصيرة الواضحة التي لا ي تمارى فيها أن في الإمكان أصنافا من العلوم لم تخرج من الوجود, وإن كان في قوة الآدمي الوصول إليها, وعلوم كانت قد خرجت إلى الوجود واندرست الآن, فلن يوجد في هذه الأعصار على بسيط الأرض من يعرفها, وعلوم أخرى ليس في قوة البشر أصلا إدراكها والإحاطة بها . فلا يبقى العقل الإنساني حبيس المعارف في عصر معين ويستمر مقلدا لها, بل يكتشف ويبدع ما لم يكن له عهد به من قبل, ولا له وجود إلى ما لا نهاية له, حسب طاقته البشرية ولا يتقيد بعلم واحد أو عدة علوم لا يغادرها إلى غيرها, مما يمكن أن يوجد بعد عدم, فهل من حرية في استعمال العقل أكثر من هذا?.
وبالنسبة لعلاقة العلوم العقلية بالعلوم الشرعية فإنه يتصورها بأن من لا يستعمل عقله وبصيرته لا يمكن له أن يدرك من الدين إلا ظاهره وخيالات منه وأمثلة دون حقيقته: وبالجملة من لم تكن بصيرة عقله نافذة, فلا يعلق به من الدين إلا قشوره, بل خيالاته وأمثلته دون لبابه وحقيقته, فلا تدرك العلوم الشرعية إلا بالعلوم العقلية, فإن العقلية كالأدوية للصحة, والشرعية كالغذاء .