ولا يصل الإنسان إلى معاني القرآن العميقة إلا إذا تمرس بالعلوم كعلم الهيئة مثلا, أو البيلوجيا: و لا يعرف حقيقة سير الشمس والقمر بحسبان وخسوفهما, وولوج الليل والنهار وكيفية تكور أحدهما على الآخر, إلا من عرف هيئات تركيب السموات والأرض وهو علم برأسه, ولا يعرف كمال معنى قوله:"يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك إلا من عرف تشريح الأعضاء من الإنسان ظاهرا وباطنا, وعددها وأنواعها ومنافعها, ففي القرآن جملة أوائل العلم, والتأمل فيه يوصل من جملته إلى تفصيله, وهو البحر الذي لا شاطئ له ."
بيد أن بعض العلوم وصفها الفقهاء بأنها مذمومة, وبعضها صرحوا بتحريمه, ولكن ما هو معيار المحمود والمذموم?.
7 ـ معيار العلم المحمود والممدوح
إذا كانت بعض العلوم محرمة فمعنى هذا الحد من حرية العقل في البحث والعلم بحقائق الأشياء, ولو كانت ضار ة كالسم ـ فهل هذا المنع من الخوض في العلم الحقيقي أو هو فيما ليس علما حقيقيا, وإن سماه أصحابه علما وولعوا به?
يرى أبو بكر بن العربي:"أن العلوم كلها محمودة, وليس شيء من العلوم مذموما, لأن العلم شريف بذاته على الإطلاق, ثم يشرف بشرف متعلقاته ."
أما أبو حامد فيقسم العلوم غير الشرعية إلى محمودة, ومذمومة, وإلى مباحة, وجعل معيار العلوم المحمودة ما يتعلق بمصالح الناس الاجتماعية والاقتصادية وغيرها كالطب والحساب.
والمحمود من العلوم من حيث الحكم الشرعي; منه ما هو فرض كفاية: وهو كل علم لا يستغنى عنه في قوام أمور الدنيا كالطب إذ هو ضروري في حاجة بقاء الأبدان, وكالحساب فإنه ضروري في المعاملات , وكذلك ما يعتبره أصولا للصناعات في زمانه, كالفلاحة, والسياسة, أو ما يعد فضيلة كالتعمق في دقائق الرياضيات أو غيرها من العلوم كالطب.
وأما القسم الثاني من العلوم فهو العلوم المذمومة كالسحر والطلسمات والشعوذة, وما إلى ذلك من التلبيسات على الناس.