الثاني: تصديق المنجمين في تفصيل ما يخبرون به من الآثار التي لا يشترك كافة الخلق في دركها, لأنهم يقولون ذلك عن جهل (...) , فاعتقاد كون الكواكب أسبابا لآثار تحصل بخلق الله تعالى في الأرض وفي النبات وفي الحيوان ليس قادحا في الدين بل هو حق .
وعندما أنكر أبو بكر بن العربي الاعتماد على الحساب الفلكي في ثبوت شهر رمضان علل ذلك بأنه: لا لأنه باطل, ولكن صيانة لعقائد الناس أن تناط بالعلويات, وأن تعلق عباداتها بتداور الأفلاك ومواقعها في الاجتماع والاستقبال, وهذا بحر عجاج إذا دخلوا فيه . فالغرض إذا الحفاظ على التوحيد, وليس إنكارا لصحة هذا العلم أو ذاك, والخوف من أن يشوب عقيدة البشر شيء من الوثنية.
وافترض أبو حامد سؤالا: إذا كان العلم هو معرفة الشيء على ما هو به , فكيف يكون علما, ومع ذلك يكون مذموما?
وأجاب عن ذلك بأن العلم لا يذم لذاته, وإنما يذم بالنسبة للإنسان لأسباب, من أهمها: أن يكون مؤديا إلى ضرر لصاحبه أو غيره من الناس, كالسحر والطلسمات, فمع أن السحر حق بشهادة القرآن, فإنه سبب للتفرقة بين الزوجين وما إلى ذلك, فإن معرفة هذه الأسباب من حيث كونها أسبابا ليست مذمومة, وإنما ذمها من قبل إضرارها بالناس, والوسيلة إلى الشر شر .
ولكن أبا حامد بقي على موقفه من ذم علم النجوم مع تقدمه في عصره, اعتمادا على حديث ضعيف حسبه زجرا عن هذا العلم, وأدلى بأسباب ليست وثيقة, وذلك لأن علم النجوم سواء في قسمه الحسابي في تقدير مسير القمر ومنازله, أو قسم الأحكام التي تعتمد على الاستدلال بالأسباب على الحوادث, كما يستدل الطبيب بالنبض على ما يحدث من مرض أو سيحدث, وما إلى ذلك من معرفة السنن والقوانين التي يسميها الغزالي عادة في الموجودات, هذا كله ما دام الشارع ذمه فهو مذموم, ولم يميز في ذلك بين ما هو علمي وما هو محاولة كاذبة للعلم بالغيب.