فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 53

أما العلاقة بين العقل والعلم الديني فقد صورها أبو حامد الغزالي على هذا النحو: وليس يخفى أن العلوم الدينية, وهي فقه الآخرة, إنما تدرك بكمال العقل, وصفاء الذكاء, والعقل أشرف صفات الإنسان . ورأى الإمام المازري أن صحة الشرع إنما تعرف بالعقل, ورد على طائفة من المحدثين تنكر العلم العقلي, فقال: وأما من قصر العلم على الشرع فظاهر البطلان, لأن صحة الشرع إنما تعرف بالعقل .

ومن الألفاظ القرآنية العربية التي لها علاقة بالعقل والعلم لفظ الفكر, دلالتها اللغوية إعمال العقل في حل مشكلة, ويرى بعض الأدباء أنها مقلوب كلمة"فرك", إلا أن الفرك يستعمل في فحص المحسوسات, والفكر في المعاني.

ويرى الغزالي أن معنى الفكر: إحضار معرفتين في القلب ليستثمر منهما معرفة ثالثة. والتفكير والتأمل والتدبر عنده كلمات مترادفة, أما التذكر والنظر والاعتبار فهي مختلفة, وثمرة الفكر إنما هي تكثير العلم واستجلاب معارف جديدة, ويتمادى الفكر في نظر الغزالي إلى غير نهاية, فالعلوم لا نهاية لها, ومجاري الفكر غير محصورة, وثمراته غير متناهية , وهو في الآن نفسه شبكة العلوم ومصيدة المعارف والفهوم , ويجري الفكر فيما يتعلق بالدين وفيما يتعلق بغير الدين.

وأما النظر فهو طلب الصواب, ويقتصر الجدل على مجرد نصرة له, وللحق إن كان ما يجادل عنه حقا في واقع الأمر.

بيد أن ثقة الصوفية في العقل وعلومه غير وثيقة, وإن تمتع بعضهم بتحليلات عقلية بديعة, وأحسب أن العقل الذي ينفرون منه هو العقل الجدلي والمماحكات التي لا تؤدي إلى اليقين, أما العقل بمعناه الحقيقي فلا يمكن لإنسان أن يفرط فيه, إلا إذا فقد إنسانيته, ولا ت ن افي في نظرنا بين الذوق العقلاني والذوق الوجداني تنافي تناقض أو تضاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت