الصفحة 35 من 61

أولًا: قالوا أن العالية أمرأة مجهولة لا يقبل خبرها، ثم أن هذا الأثر رواه الدارقطني من طريق داود بن الزبرقان عن معمر عن أبي أسحاق عن أمرأته"أنها دخلت على عائشة رضي الله عنها فدخلت معها أم زيد بن أرقم الأنصاري وامرأة أخرى، فقالت أم ولد زيد بن أرقم: يا أم المؤمنين أني بعت غلاما من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم نسيئة، وإني ابتعته بستمائة نقدا فذكرته"وهذا الاسناد فيه داود بن الزبرقان، وفيه ضعف، قال يحي بن معين: وليس بشيء، وقال علي بن المديني: كتبت عنه شيئا يسيرا ورميت به، وضعفه جدًا، وقال الجرجاني: أنه كذاب، وقال أبو زرعة: متروك الحديث، وقال أبو حاتم: داود بن الزبرقان شيخ صالح يحفظ الحديث ويذاكر، ولكنه كان يهم في المذاكرة ويغلط في الرواية إذا حدث من حفظه [1] .

وأجيب: قالوا في العالية أنها مجهولة، لا يحتج بها، قال ابن الجوزي: قالوا: العالية امرأة مجهولة لا يقبل خبرها، قلنا: بل هي أمرأة معروفة جليلة القدر، ذكرها ابن سعد في"الطبقات" [2] فقال: العالية بنت أيفع بن شرحبيل أمرأة أبي إسحاق السبيعي [3] سمعت من عائشة رضي الله عنها [4] .

أما تضعيف رواية، معمر فلا يضر أنها نقلت من طريق داود بن الزبرقان، ما دام قد ثبت الخبر بأسانيد أخرى أخذ بها كل من الثوري والأوزعي وأبو حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل والحسن بن صالح وصححوا حديثها منها: رواية الدارقطني الأولى، عن يونس، التي قال في آخرها: وهذا إسناد حسن [5] .

ثانيًا: قال الشافعي رضي الله عنه: قد تكون عائشة لو كان هذا ثابتًا عنها عابت عليها بيعًا إلى العطاء لأنه أجل غير معلوم، وهذا مما لا تجيزه، لا أنها عابت عليها ما اشترت منه بنقد وقد باعته إلى أجل [6] .

وأجيب:

كانت عائشة رضي الله عنها تجيز البيع إلى العطاء ولأن الثمن لم يدخل في ضمان البائع قبل قبضه فإذا عاد إليه عين ماله بالصفة التي خرج من ملكه وصار بعض الثمن قصاصا ببعض بقي له عليه فضل بلاعوض فكان ذلك ربح ما لم يضمن وهو حرام بالنص بخلاف ما إذا اشتراه بمثل الثمن الأوَّل أو أكثر لأن الربح فيه حصل للمشتري بعد ما دخل المبيع في ضمانه [7] .

وكانت تقول وقت خروج العطاء معلوم بالعرف لا يتأخر الخروج عنه إلا نادرًا فكان هذا بيعًا بأجل معلوم [8] . وأنما عائشة ذمت البيع الأول لكونه سببًا للبيع المحذور [9] . حيث أنها أنكرت عليه البيع الثاني، بناء على فساد البيع الأول، لجهالة الأجل، فإن عائشة ممن يرى جواز البيع إلى العطاء، وقد روي عنها فعله،

(1) النووي، كتاب المجموع، مرجع سابق، ج 10/ ص 142.

(2) ابن سعد، أبو عبدالله محمد بن سعد زهري، الطبقات الكبرى، بيروت، لبنان: دار صادر، 1960،ج8/ ص 357، وقال صاحب"الجوهر النقي"قلت: العالية معروفة، روى عنها زوجها، وابنها، وهما إمامان، وذكرهما ابن حيان في التقات، وذهب إلى حديثهما هذا الثوري، والأوزعي، وأبو حنيفة، وأصحابه، ومالك، وابن حنبل، والحسن ابن صالح، وروى عن الشعبي، والحكم، وحماد فمنعوا ذلك. أنظر: التركماني، علاء الدين بن علي بن عثمان المارديني، المتوفى سنة 745هـ، الجوهر النقي، ط1، حيدر آباد الدكن، الهند: دائرة المعارف النظامية، 1344هـ، ج5 / ص 330.

(3) ابو اسحاق السبيي: عمرو بن عبد الله بن ذي يُحمد، من التابعين، ولد سنة 33هـ، شيخ الكوفة ومحدثها، توفي سنة 127هـ. أنظر: الذهبي، سير اعلام النبلاء، ج 5 / ص 392.

(4) الزيلعي، نصب الراية، مرجع سابق، ج 4/ ص 16.

(5) أنظر: البرهاني، محمد هاشم، سد الذرائع في الشريعة الإسلامية، ط1، بيروت، لبنان: مطبعة الريحاني، 1406هـ، 1985، قدم هذا البحث إلى جامعة القاهرة - كلية دار العلوم ومنح مؤلفه درجة الماجستير في الشريعة الإسلامية، ص 708 - 709.

(6) الشافعي، الأم، مرجع سابق، ج 3 - ص 89.

(7) الزيلعي، فحر الدي عثمان بن علي، الحنفي، من أهل زيلع بالصومال، فقيه حنفي. قدم القاهرة سنة 705هـ. ودرس وأفتى وقرر ونشر الفقه. كان مشهورًا بمعرفة النحو والفقه والفرائض. وهو غير الزيلعي صاحب"نصب الراية"، أنظر: الزركلي، الاعلام، ج4/ ص 373. تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، ط2، القاهرة، مصر: دار الكتاب الاسلامي، د. ت، ج 4 / ص 54.

(8) السرخسي، محمد بن أحمد بن أبي سهل، أبو بكر، شمس الدين، المتوفي سنة 490هـ، ويلقب بشمس الأئمة، كان إماما في فقه الحنفية، متكلمًا ناظرًا أصوليًا مجتهدًا في المسائل. من تصانيفه:"المبسوط"، و"الأصول"في أصول الفقه، و"شرح السير الكبير"للإمام محمد بن الحسن. أنظر: الموسوعة الفقهية، ج 1/ص 353. المبسوط، ط1، بيروت، لبنان: دار الكتب العلمية، د. ت، ج 13/ ص 27.

(9) الزيلعي، تبيين الحقائق، مرجع سابق، ج 4/ ص 55.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت