فهرس الكتاب
كان يخالف بعضهم بعضًا، ولأن مخالفة الصحابي لرأي صحابي آخر لا يكون من الموجبات للإحباط، وما كان أحدهم يعتذر إلى صاحبه، إلا إذا خالفه في أمر مسموع [1] .
رابعًا: أن السيدة عائشة رضي الله عنها قصدت أن هذا من الكبائر التي يقاوم إثمُها ثوابَ الجهاد ويصير بمنزلة مَنْ عمل حسنة وسيئة بقدرها فكأنه لم يعمل شيئًا، ولو كان هذا اجتهادًا منها لم تمن زيدًا منه، ولم تحكم ببطلان جهاده، ولم تدْعُه إلى التوبة، فإن الاجتهاد لا يحرم الاجتهاد، ولا يحكم ببطلان عمل المسلم المجتهد بمخالفته لاجتهاد نظيره، فإن قيل: فزيد بن أرقم قد خالف عائشة ومَنْ ذكرتم، فغاية الأمر أنها مسألة ذات قولين للصحابة، وهي مما يسوغ فيها الاجتهاد [2] .
خامسًا: أن زيد بن أرقم لا يبيع إلا ما يراه حلالًا، ولا يبتاع مثله، فلو أن رجلًا باع شيئًا أو ابتاعه نراه نحن محرمًا وهو يراه حلالًا لم نزعم أن الله يحبط من عمله شيئًا [3] .
والجواب:
صحيح أن زيدًا باع واشترى ما رآه حلالًا، ولا يتصور، منه وهو من خيار الصحابة، أن يواطيء أم ولده على شراء الذهب بالذهب، متفاضلًا إلى أجل، فغاية ما في الأمر: أن هذا الحكم لم يكن قد بلغه فإن جميع الصحابة كانوا يسأل بعضهم بعضًا عن كثير من المسائل التي تعرض لهم، ولم يكن كل واحد منهم محيطًا بكل ما جاء عنه صلى الله عليه وسلم، أما أن نحكم بحرمة ما يراه الغير حلالًا، من غير أن نزعم أن الله تعالى يُحْبط عمله، فيصح في حالين، أحدهما أن يكون حكمنا باجتهاد منا، لأن المجتهد إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد، وهذه قضية مُسَلّمة، لا خلاف فيها، والثاني: أن يجتهد مخالفنا في أمر ثبت عندنا بنص، لم يثبت عنده، أو لم يأخذ به لنظر معقول، أما أن يخالفنا باجتهاده، وقد تأيد موقفنا بحكم توقيفي، ثابت بالنص، فلا يجوز، ويلزم الإنكار عليه، وهذا ما قالته عائشة رضي الله عنها، فأخبرته بإحباط عمله إن لم يتب، والإحباط المقصود هنا: إحباط الموازنة بين العمل الصالح، والعمل السيء، والذي قد يحتمل المبالغة في الإنكار، دون التحقيق، أو نقصان بعض ثواب الأعمال الصالحة، في مقابل الأعمال السيئة [4] .
ولم يذكر عن زيد بن أرقم أنه أقام على هذه المسألة بعد إنكار عائشة، وكثيرًا ما يفعل الرجل الكبير الشيء مع ذهوله عما في ضمنه من مفسدة فإذا نُبِّهَ انتبه، وإذا كان الفعل محتملا لهذه الوجوه وغيرها لم يجزأن يُقْدَمَ على الحكم، ولم يجز أن يقال: مذهب زيد بن أرقم جواز العِينة، لا سيما وأم ولده قد دخلت على عائشة تستفتيها فأفتتها بأخذ رأس مالها، وهذا كله يدل على أنهما لم يكونا جازمين بصحة العقد وجوازه [5] .
المطلب الثاني: الأدلة الشرعية لجواز بيع العينة.
استدل هذا الفريق وهم الشافعية والظاهرية وقول أبي يوسف [6] بعدة أدلة منها:
(1) أنظر: الشوكاني، نيل الأوطار، مرجع سابق، ج5/ ص 233.
(2) ابن القيم، اعلام الموقعين، مرجع سابق، ج 3/ ص 180 - 181.
(3) الشافعي، الأم، مرجع سابق، ج 3/ ص 79.
(4) أنظر: البرهاني، سد الذرائع، مرجع سابق، ص 708. حسين، محمد علي، المكيّ، المالكي، تهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية، ط1، بيروت، لبنان: دار الكتب العلمية، 1418هـ، 1998، ضبطه وصححه: خليل منصور، ج3/ ص 439 - 440.
(5) ابن القيم، اعلام الموقعين، مرجع سابق، ج 3/ ص 181.
(6) ابن قدامة، المغني، مرجع سابق، ج 4/ ص 256.