الصفحة 40 من 61

3)قالوا"لو كان الابتياع من المشتري حراما لنهى عنه" [1] . أي أنه من اشترى منه التمر الرديء هو نفس من باع عليه التمر الرطب، فلم يفصل بين أن يبيعه ممّن باعه أو من غيره، ولم يبين أن يكون القصد التوصل إلى شراء الأكثر أو لا. فدل ذلك على صحة البيع.

مناقشة ذلك [2] :

1)غاية ما دل الحديث عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم - أمره أن يبيع سلعته الأولى بثمن ثم يبتاع بثمنها تمرًا آخر، ومعلوم قطعًا أن ذلك إنما يقتضي البيع الصحيح، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا يأذن في العقد الباطل، فلا بد أن يكون العقد الذي أذن فيه صحيحًا.

2)لا يمكن الاستدلال بالحديث، لأنه ليس بعام، فإن قوله"بع"مطلق لا عام، وهو المطلق في قوله"بع هذا الثوب"لا يقتضي الأمر ببيعه من زيد أو عمرو، ولا بكذا أو كذا، ولا بهذه السوق أو هذه، فإن اللفظ لا دلالة له على شيء من شيء من ذلك، إذا أتى بالمسمى حصل ممتثلا من جهة وجود تلك الحقيقة، لا من جهة تلك القيود، وإذا تبين هذا فليس في الحديث أمره أن يبيع التمر لبائع النوع الآخر ولا لغيره ولا بحلول ولا تأجيل ولا بنقد البلد ولا غيره ولا بثمن المثل أو غيره.

3)ليس في اللفظ ما يدل على أنه يبيعه من البائع بعينه ولا غيره، كما ليس فيه ما يمنعه، بل كل واحد من الطرفين يحتاج إلى دليل خارج عن اللفظ المطلق، فما قام الدليل على إباحته أبيح فعله بالدليل على المنع منه لم يعارض دليل المنع بهذا اللفظ المطلق حتى يطلب الترجيح، بل يكون دليل المنع بهذا

(1) ابن القيم، اعلام الموقعين، مرجع سابق، ج3/ ص 236.

(2) أنظر: ابن القيم، اعلام الموقعين، مرجع سابق، ج3/ ص 235 - 244.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت