فهرس الكتاب
دليل القول الثاني: واستدل الشافعي في القديم على أن موت رب المال لا يقطع حكم الحول, ويبني الوارث على حول مورثه، بأن الزكاة مؤنة الملك, فيعتبر قيام نفس الملك وأنه قائم, إذ الوارث يخلف المورث في عين ما كان للمورث, فلا ينقطع الحول بموته [1] .
الراجح: والباحث يرى أن الراجح هو القول الأول الذاهب إلى أن موت رب المال في خلال الحول يقطع حكم الحول, وعلى الوارث استئناف حول جديد. وهذا القول الذي رجحناه يكاد يكون هو الوحيد في المسألة؛ لأن الإمام النووي قطع به في مذهبه, سواء أقلنا بالقديم في مذهبه أم لا. ومن ثم فهذا القول متفق عليه بين المذاهب الأربعة، وإنما ذكرت القول الثاني إتمامًا للفائدة، وإن شئت فاقرأ نصوص الإمام النووي حيث يقول: «فرع: إذا مات في أثناء الحول وانتقل المال إلى وارثه هل يبني على حول الميت؟ قولان. القديم: نعم، والجديد: لا بل يبتدئ حولًا. وقيل: يبتدئ قطعًا وأنكر القديم» ثم قال النووي: «قلت: المذهب أنه يبتدئ حولًا سواء أثبتنا الخلاف أم لا» [2] .
المبحث السادس
الردة من صاحب المال
الردة بكسر الراء -نعوذ بالله منها- لغة: الرجوع مطلقًا وهي اسم من الارتداد، والارتداد: الرجوع, ومنه المرتد وهو الراجع، فالردة: هي الرجوع مطلقًا، والمرتد: هو الراجع مطلقًا [3] .
أما في اصطلاح الفقهاء فهي «الرجوع عن الإسلام من مسلم تقرر إسلامه» [4] , ولما كانت الردة كفر فإن لها أثرها على الأعمال, ويعنينا منها هنا أثر الردة على حول الزكاة إذا ارتد صاحب المال الحولي الذي وجبت فيه الزكاة في خلال الحول.
والكلام في هذه المسألة متصل بمسألة أخرى هي: هل الزكاة واجبة على المرتد؟ وهل المرتد مالك لماله؟ ذلك فيه خلاف بين الفقهاء.
أولًا: أقوال الفقهاء في وجوب الزكاة على المرتد:
أما عن وجوب الزكاة على المرتد فللفقهاء فيه قولان:
القول الأول: لا تحب الزكاة على المرتد, وبه قال الحنفية [5] والمالكية لا إذا ارتد ليسقطها [6] , ورواية عند الحنابلة جزم بها في المذهب واختارها القاضي وغيره، وظاهر ما قدمه في الفروع في كتاب الصلاة [7] , وهؤلاء قالوا بعدم الوجوب سواء قلنا ببقاء ملك المرتد أو زواله، وبعدم الوجوب قال
(1) هذه الحجة أوردها الكاساني الحنفي لقول الشافعي القديم، بدائع الصنائع جـ2 ص 925، فالشافعية لم يستدلوا له لعدم اعتباره عندهم كما سيأتي في الترجيح.
(2) روضة الطالبين جـ2 ص 189، ولاحظ المجموع جـ5 ص 309.
(3) انظر: مختار الصحاح ص 239، ترتيب القاموس المحيط جـ2 ص 301، المصباح المنير جـ1 ص 224, المفردات في غريب القرآن ص 192، 193. لسان العرب جـ18 ص 1621 وما بعدها.
(4) هذا الرجوع قد يكون بقول، أو فعل، أو اعتقاد، انظر للحنفية: فتح القدير جـ4 ص 385، البحر الرائق جـ5 ص 129. بدائع الصنائع جـ7 ص 134، حاشية ابن عابدين جـ3 ص 291، وللمالكية: الشرح للخرشي جـ8 ص 62. الشرح الكبير جـ4 ص 301، جواهر الإكليل جـ2 ص 277، مواهب الجليل والتاج والإكليل جـ6 ص 279. وللشافعية: شرح جلال المحلي جـ4 ص 174, نهاية المحتاج جـ7 ص 393, مغني المحتاج جـ4 ص 133، 134، وللحنابلة: المغني جـ10 ص 72، ومعه الشرح الكبير. المبدع جـ9 ص 170. كشاف القناع جـ6 ص 167. وللظاهرية: المحلى جـ11 ص 188 مسألة 21950.
(5) بدائع الصنائع جـ2 ص 4، حاشية ابن عابدين جـ2 ص 4، البحر الرائق جـ2 ص 218, الهداية وشروحها جـ1 ص 481.
(6) الشرح الصغير وبلغة السالك جـ1 ص 115، 116. شرح الخرشي وحاشية العدوي جـ2 ص 162.
(7) الإنصاف جـ1 ص 390, 393، جـ3 ص 5. الشرح الكبير جـ1 ص 413، جـ2 ص 437، 449، المغني جـ1 ص 445.