الصفحة 55 من 56

الأدلة:

دليل القول الأول: استدل من قال بأن الردة لا تزيل الملك. بأن الملك كان ثابتًا له حالة الإسلام لوجود سبب الملك وأهليته وهي الحرية، والردة لا تؤثر في شيء من ذلك [1] .

دليل القول الثاني: استدل من قال بأن الردة تزيل ملك المرتد عن ماله. بأن عصمة نفسه وماله إنما تثبت بإسلامه, فزوال إسلامه يزيل عصمتها, كما لو لحق بدار الحرب. ولأن المسلمين ملكوا إراقة دمه بردته, فوجب أن يملكوا ماله بها [2] .

ونوقش: بأن الردة سبب يبيح دمه دون ماله, فلم يزل ملكه بها, كزنا المحصن، وبأن زوال العصمة لا يلزم منه زوال الملك؛ كالقاتل في الحاربة وأهل الحرب [3] .

دليل القول الثالث: استدل من قال بأن ملكه موقوف. بأنه وجد سبب زوال الملك وهو الردة؛ لأنها سبب لوجوب القتل, والقتل سبب لحصول الموت, فكان زوال الملك عند الموت مضافًا إلى الزمن السابق -وهو الردة- ولا يمكنه اللحاق بدار الحرب بأمواله؛ لأنه لا يمكن من ذلك بل يقتل, فيبقى ماله فاضلا عن حاجته, فكان ينبغي أن يحكم بزوال ملكه للحال, إلا أنا توقفنا فيه لاحتمال العود إلى الإسلام؛ لأنه إذا عاد ترتفع الردة من الأصل ويجعل كأن لم يكن, فكان التوقف في الزوال للحال لاشتباه العاقبة, فإن أسلم تبين أن الردة لم تكن سببًا لزوال الملك لارتفاعها من الأصل، وإن قتل أو مات أو لحق بدار الحرب تبين أنها وقعت سببًا للزوال من حين وجودها لتبين أن الملك كان زائلًا من حين وجود الردة؛ لأن الحكم لا يتخلف عن سببه [4] , ولأن الردة سبب يبيح الدم, فلم يزل ملكه كزنا المحصن والقتل لمن تكلفه عمدًا، وزوال العصمة لا يلزم منه زوال الملك بدليل الزاني المحصن والقاتل في المحاربة وأهل الحرب, فإن ملكهم ثابت في عصمتهم [5] .

(1) بدائع الصنائع جـ7 ص 136.

(2) المغني جـ10 ص 79، 80، الشرح الكبير جـ10 ص 98، 99.

(3) المرجعين السابقين وكشاف القناع جـ6 ص 181، 182، والمبدع جـ9 ص 184، 185، والإنصاف جـ10 ص 339.

(4) بدائع الصنائع جـ7 ص 136، ولاحظ مراجع الحنفية السابقة بالهامش.

(5) المغني جـ10 ص 79، 80. الشرح الكبير جـ10 ص 98، 99. كشاف القناع جـ6 ص 181، 182، المبدع جـ9 ص 184، 185، الإنصاف جـ10 ص 339، وفي المغني والشرح السابقين: «لو لحق المرتد بدار الحرب لم يزل ملكه, لكن يباح قتله لكل أحد من غير استتابة, وأخذ ماله لمن قدر عليه؛ لأنه صار حربيًّا حكمه حكم أهل الحرب» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت